مقام الشهيد:
قصة مكان

مقام الشهيد

الخير شوار

يظل مركب رياض الفتح بمتاحفه ومجمع فنونه يشكو حالة موات حقيقية مع الغياب شبه التام للزوار، وهو الذي كان في ثمانينات القرن الماضي فخرا لنظام حكم الشاذلي بن جديد، وأكبر مركب تجاري ثقافي شيّد بهندسة فريدة، فكيف مات هذا المجمع ومن المسؤول عن مآله الأسود؟

الطابق الأرضي لمجمع الفنون، حيث كان الأطفال يملأون المكان بحركتهم وهم يطاردون البالونات المتعددة الألوان، وحيث أطياف فرقة  »بالي سيدي بلعباس » التي كان ضمنها حكيم صالحي وهي تتجاوب مع أنغام الفنان تاكفاريناس  »وايتلها »، يسيطر عليه الآن صمت كبير، لم يبق من ذلك الديكور الكبيرإلا ذلك المرسم والصور الفوتوغرافية ونظيرتها عندما تحولت بقلم الرصاص إلى شكل فني باهر، على يد الفنان  »ردّاع » الذي تعوّد على زحمة الفضوليين والزبائن الكثيرين في ذاك الوقت، غير أنه اليوم غير موجود في مكانه الطبيعي، كان يقف هناك يراقب المرسم في الهواء الطلق تارة وتارة أخرى يتأمل الساحة الفارغة كأنه يطارد تلك الأطياف البعيدة، لا يجد نفسه كما كان في ثمانينات القرن الماضي، غزا الشيب كامل شعره وتحول حماسه وإقباله إلى شيء آخر تماما، وهو يتحسر على مصير هذه المهنة التي عشقها (تحويل صور شمسية باردة إلى بورتريهات فنية جميلة جدا)، ولا يرجع سبب تراجع الطلب على هذا الفن إلى التكنولوجيا والأنترنيت والصور المتلاعب بها بتقنية الفوتوشوب وحتى الصور المأخوذة عن طريق البورتابلات، فكل هذه التكنولوجيا – حسبه- متوفرة وبشكل أحسن بكثير في دول أوروبية لكن فن البورتريه ما زال مطلوبا بقوة وما زال ممارسوه من الفنانين يمارسون المهنة بكثير من الإقبال فهي تضمن لهم حياة جميلة.

المكان بعيون فنان

مقام الشهيد مارس هذا الفن في ذلك المكان بالذات قبل سنين طويلة عندما حصل على مساحة في مقام الشهيد مقابل دفع مبلغ مالي قدره 300 دينار جزائري، وكان يعاني من الإقبال الكبير من الزبائن، وهو الآن يعاني من شدة  »البطالة » إلى درجة أنه لم يعد يرسم ولو بورتريه واحد، ولا يرى أن الأمر يتعلق بالمال، فالكثير-حسبه- يصرفون الملايين في سهراتهم لكنهم يستكثرون ألف و800 دينار في رسم فني مثل الذي يقوم بإنجازه والذي قد يستغرق وقتا طويلا، وعندما تسأله لماذا تغيّر مقام الشهيد؟.. يجيبك على الفوز: الجزائر هي التي تغيٍّرت، فصرح معماري كهذا من المؤسف أن يلقى هذا المصير، وأنا عندما أركب سيارة تاكسي وأقول له أني ذاهب إلى مقام الشهيد، أرى الأنظار تتجه نحوي وكأني ذاهب إلى مكان سيء السمعة، ويشبه وضعه في ذلك المكان بالسفينة في الصحراء التي لا يمكن لها أن تبحر في أي اتجاه، لأنه لا وجود للبحر أصلا.

بصمات الشاذلي بن جديد

 »إن إنجاز مجمع الفنون الذي نتشرف اليوم بتدشينه، يندرج في سعينا الدؤوب لتحقيق رخاء مجتمعنا وازدهار حياة مواطنينا في المجالات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، ومثل هذه المنشآت الهامة تعكس بحق طموح شعبنا إلى التجديد، وتؤكد تصميمه على المضي في طريق التقدم، والتطلع دائما نحو الأفضل، إننا نهدف من هذا الإنجاز إلى ترقية محيط مناسب، ينمّي الذوق السليم، ويسهم في إبراز الطاقات المبدعة، ويحقق التوازن بين مطالب الحياة المادية والفكرية، وأملنا أن يكون هذا المجمّع إطارا ملائما لنمط راق للتعامل، ومنطلق لنشاط خلاّق، يعبّر بصدق عن ثقافتنا الوطنية الأصيلة ويستجيب لدواعي التنمية والنهضة في بلادنا ».الشاذلي بن جديد، رئيس الجمهورية الأمين العام للحزب. الجزائر في 10 شعبان عام 1406 هجري الموافق لـ: 28 أفريل 1986 ميلادي.

تلك هي الجمل المكتوبة على لوح معدني كبير لما يسمى  »مجّمع الفنون » كانت بمثابة بيان للمرحلة الشاذلية بكل ما لها وما عليها، وكان يفترض أن يكون ذلك المجمّع الذي دشن رسميا سنة 1986 أكبر صرح ثقافي وترفيهي في الجزائر وهو أحد أهم فروع مركب رياض الفتح لكنه تحوّل إلى مجرد بنايات تجارية تبحث دون جدوى عن زوّار، ولا تكاد تجد في وقت الذروة إلا زبائن قليلين جدا وبعض العاملين هنا ومنهم  »رزقي » بائع الورد الذي ما زال مثلما كان يفعل منذ سنين طويلة يحمل سلة الورود الحمراء ويتنقل بها من طابق إلى آخر بحثا عن أزواج يبيع لهم سلعته تلك، ورغم إصراره على صنع الابتسامة  إلا أنه يؤكد بأن تلك التجارة أصيبت بانهيار منذ سنين، فقد كان في وقت سابق يبيع عدة سلل من الورد في يوم واحد، أما الآن بالكاد يبيع سلة واحدة رغم أنه يقضي الساعات الطويلة ينتقل بين مختلف أرجاء المجمع.

يقول أصحاب المحلات هناك أن بداية نهاية أسطورة  »مجمع الفنون » ومقام الشهيد عموما بدأت سنة 1989، وكانت الدعاية المضادة قد دمرته قبل ذلك عندما أطلقت عليه اسم  »هبل » كبير آلهة قريش في الجاهلية، قبل أحداث الخامس من أكتوبر 1988 التي غيّرت وجهة البلاد، ففي تلك السنة أوقفت الدولة دعمها المادي للمجمع الذي كان في إطار سياسة  »من أجل حياة أفضل » في المرحلة الأولى من حكم الشاذلي بن جديد، والتي قضت عليها ما يسمى  »الأزمة الاقتصادية العالمية » التي أتت على أسعار البترول في السوق الدولية وانهار إلى ما دون العشر دولارات للبرميل الواحد، وارتبطت البلاد بالمديونية الخارجية الكبيرة وفجرّت الوضع.

ويتساءل الناس حاليا: ما الذي دفع بصرح ثقافي وتجاري كبير مثل هذا إلى هذا المصير الأسود، وكيف لا يُستغل ويبقى خاويا على عروشه في وقت تستثمر فيه ملايين الدولارات من أجل فتح مراكز تجارية أخرى قد يكون مصيرها مثل مصير رياض الفتح نفسه؟

شاشات تبحث عن متفرجين

نواصل الرحلة بين مختلف طوابق  »مجمع الفنون » لرياض الفتح، وشاشات التلفزيون ما زالت مثلما كان الحال في السنين الماضية، لكنها تبث الآن برامج شبكة  »الجزيرة الرياضية »، لكن لا أحد يتفرج على تلك الشاشات الموزعة على مختلف أركان المجمع، وعند سينما  »كوسموس ألفا »، لا وجود الآن لأزواج مثلما كان الأمر في السابق، وطغت لافتات الإعلان عن أيام للفيلم التركي على غيرها من اللافتات، وتكلمنا مع أحد المسؤولين عن القاعة ليؤكد أنه لم يعد يسمح للأزواج العاشقين بالدخول، وقد تحولت تلك القاعة إلى العائلات والأشخاص العاديين لكنها تشكو عدم إقبال الجمهور إلى درجة لو جاء ثلاثة زبائن فقط فيضطر إلى تشغيل جهاز البث من أجلهم، وعن سر عزوف الجمهور عن المجيء إلى القاعة يرجعه ذات المسؤول إلى النقل وأمور أخرى أكثر تعقيدا، ويؤكد أن الجمهور لا يزور حتى مقام الشهيد ومجمع الفنون فما بالك بقاعات السينما التي يفترض أن تستقطب جزءا صغيرا من ذلك الجمهور الكبير.

ولا يختلف حال المكتبات في التجمع عن حال المحلات الأخرى، إن لم يكن أسوأ منها، تقول مسؤولة المكتبة التي تقول إن زبائن الكتب قليلون جدا، لكنها لا تفكر إطلاقا في تغيير النشاط، فهي حتى عندما تنزل إلى وسط الجزائر العاصمة، فإن المكان الذي تحرص على زيارته هو المكتبة التي أصبحت جزءا من حياتها، وتستدرك أن مدخولها من المكتبة بالكاد يضمن لها القوت اليومي دون التفكير في فائدة أخرى. أما في الطابق الأرضي من المجمع، فإن المقهى التي كان يمتلئ سطحها بالزبائن في زمن مضى وكانت مثل الأسطورة، حيث كان سعر فنجان القهوة في الثمانينات يتجاوز العشرة دنانير بكثير مقابل دينار واحد للفنجان في المقاهي العادية، فلم يعد له زبائن مثلما كان والعدد القليل منهم الذين كانوا يجلسون في ذلك الوقت هم بعض عمال الورشات الصينية القريبة من هنا وكانوا يتناولون قهوة الظهيرة قبل استئناف أشغالهم.

لقد بدا السطح الذي يؤدي من جهة إلى مقام الشهيد، ومن جهة أخرى إلى متحف الجيش وإلى مجمع الفنون في الاتجاه الأسفل، شبه فارغ من المارة إلا بعض العابرين القليلين وبعض عمال الورشات، وأسفل المقام ما زال بعض المصورين الذين كانوا يلتقطون صورا بأسعار غالية للزائرين من سكان المناطق الداخلية شبه بطالين، ففي ثمانينات القرن الماضي لم يكن واردا زيارة الجزائر العاصمة دون المرور على مقام الشهيد وأخذ صور تذكارية إلى جانبه، أما الآن فإن مقام الشهيد أصبح مجرد هيكل بدون زوار إلا في مناسبات رسمية عندما توضع أكاليل الزهور ويرفع السلام الوطني ويصعد الزوار إلى قبة الترحم للتوقيع في السجل الذهبي.

ومقام الشهيد (أحد أهم فروع مجمع رياض الفتح) هو أكبر رمز للمرحلة الشاذلية التي كان شعارها في السنين الأولى  »من أجل حياة أفضل »، أنجزته شركة كندية وفق هندسة فريدة تتمثل في ما يشبه ثلاث نخلات متقابلة تم تصميمه في مدرسة الفنون الجميلة ويقع على ارتفاع 92 مترا في أعلى منطقة في الجزائر العاصمة وتوجد قبة عند التقاء النخلات الثلاث قطرها ستة أمتار، وتحته متحف المجاهد الذي يضم أكبر الوثائق المادية لتاريخ الجزائر الطويل، وكان الفنان بشير يلس أحد مبدعيه إلى جانب مهندسين آخرين من خارج الجزائر وتم تدشينه يوم 5 جويلية 1982 بمناسبة الاحتفالات الكبرى بالذكرى العشرين للاستقلال.

مجمع للتاريخ

ولئن كان هذا المجمع هو أكبر رموز المرحلة الشاذلية، فإن متحف الجيش في الجهة المقابلة للمقام الذي ما زال سعر الدخول إليه رمزيا، يحتوي من بين مقتنياته على أثمن الأشياء التي كان يمتلكها الراحل هواري بومدين بدءا من سياراته الخاصة  »سيتروان دي أس » سوداء التي صنعت سنة 1972 إضافة إلى بدلاته الخاصة ومقتنياته مثل الساعات اليدوية و..غيرها، كانت قد تبرعت بها أرملته السيدة أنيسة، وخلف تلك الوثائق النادرة، يرتسم هواري بومدين بضحكته الصارمة وراء سيجارته وكأنه يسخر من كل الأمور، فالشاذلية التي جاءت كرد فعل على النزعة التقشفية البومدينية وحملت شعار  »من أجل حياة أفضل »، يبدو أن هواري بومدين قد ورثها والزوار القلائل للمتحف يحرصون على زيارة بومدين والوقوف عند سياراته السوداء تلك، لكنهم لا يجرأون على مخاطبته رغم أن طيفه يطوف هناك، في وقت يغيب الشاذلي بن جديد عن الصرح الذي عمل على تدشينه وربما أراد أن يخّلد نفسه من خلاله.

المقام في خضم الجدل والرفض

جاءت أسطورة رياض الفتح مع بداية عهد الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد، وفي إطار المرحلة الأولى من حكمه التي كان شعارها  »من أجل حياة أفضل’، حيث حملت برنامج  »شبيبة 2000″ وتفجرت فيها ثورة  »الراي » الذي خرج من الأماكن المغلقة إلى رحاب العالمية التي حققها بعد سنين من ذلك مع  »دي دي » والشاب خالد، لكن  »أيقونة » حكم الشاذلي بن جديد تلك، وجهت بدعاية مضادة، عندما وصف المعارضون لحكم الشاذلي بن جديد ذلك الصرح المعماري النادر بـ »هُبل » وهو كبير آلهة قبيلة قريش قبل فتح مكة، وحتى الورقة النقدية ذات المائتي دينار التي حملت صورة  »مقام الشهيد » سميّت شعبيا  »هوبلة » (نسبة إلى الإله هُبل).

قد وصف المحافظون المعادون للبيرالية الشاذلي بن جديد الأمر بأنه بمثابة  »جاهلية جديدة » بتعبير الداعية الإسلامي الراحل  »سيد قطب »، وحورب النظام على هذا الأساس بوسائل دعائية مستعارة من التراث الديني وسط صعود كبير للتيار الديني، وتزامن بناء ذلك الصرح بأول تمرد مسلح ذي صبغة دينية قاده مصطفى بويعلي، وسبق أحداث أكتوبر 1988 والتي جاءت بالتعددية الحزبية والتحرر من قبضة الحزب الواحد.

فاجأت الانتكاسة المالية التي بدأت مع منتصف الثمانينات الكل، فعندما انهار سعر البترول في السوق الدولية، انتهت المرحلة الأولى من حكم الشاذلي بن جديد بشعار  »من أجل حياة أفضل »، لتبدأ مرحلة أخرى حملت شعار المؤتمر الخامس للحزب الحاكم نهاية سنة 1984 وهي  »العمل والصرامة لضمان المستقبل »، وتداعت الأسطورة كلها مع أحداث الخامس من أكتوبر 1988 لتدخل البلاد مرحلة أخرى من العنف والإرهاب، كانت بدايتها الرحيل القسري للرئيس الشاذلي بن جديد يوم 11 جانفي 1992 الذي أراد أن يخلّد مرحلة حكمه بذلك الصرح، وانهار كل شيء بعدها وأصبحت هذه البناية المهجورة شاهدة على عصر مضى.