مقام ابن خلوف:
سيدي لخضر جيتك قاصد

 الخير شوار

سماء زرقاء، لا غيمة واحدة فيها، سماء كأنها البحر.. البحر هادئ كزيت أزرق على شواطئ الصابلات وصلامندر.. جسر كأنه يؤدي إلى السماء الزرقاء، وتحته تعج أمواج من البشر في سوق شعبي عريق، وبين حافتي الجسر يمكنك أن ترى القباب البيضاء تتحدى الأيام.. قباب أولياء الله الصالحين الذي يتوزعون على مدينة مستغانم.. تغيب الألوان، كل الألوان إلا لونين.. الأبيض بيض القباب، والأزرق زرقة الشفق والسماء، وزرقة الماء كأنه شفق أزرق للبحر الذي كان يسمى بحر الروم، وأنت تعبر الجسر كأنها بصدد المرور إلى ما وراء الشفق الأزرق.

مزغران حيث شاطئ الصابلات إلى الخلف، وإلى الأمام جسر يعبر إلى مدينة سيدي لخضر، وسيدي لخضر بن عبد الله بن خلوف الذي كان أميرا للمرابطين بمنطقة جبال الظهرة، جاء إلى مزغران مع والده قادما من قبيلة أزافرييا التي قضى بها طفولته الأولى.. مزغران الآن شواطئ زرقاء عليك أن تعبر بجانبها تحت شفق السماء الأزرق مقتفيا أثر سيدي لخضر الذي مازالت نخلته تحرسه بعد تلك القرون العديدة من رحيله عن عالمنا إلى ما وراء الشفق الأزرق، وما تزال النخلة الطالعة من الضريح تطلع وتطلع وتتلوى، ثم تستقيم كأنها تريد بلوغ السماء بحثا عن روح سيدي لخضر الذي ترقد رفاته عند جذورها الضاربة في التراب وفي القرون من الزمان.

عند ذلك المكان الذي مازال يسمى بلدة « سيدي لخضر ».. بحر الروم كأنه زيت أزرق، الروم.. الأرمادة الإسبانية الرومية تجثو على مياه بحر الروم، والزمن هو 26 أوت 1558، والأخضر بن خلوف يشارك في حرب الجيوش العثمانية ضد الأرمادة الإسبانية الرومية في مياه بحر الروم.. البحر الذي يسمى الآن بالأبيض المتوسط مع أنه أزرق تماما، وهي تسمية أكثر إنصافا وحيادية على أية حال، لم يكن حياديا من ناحية الاسم، وكان الأخضر بن خلوف في زمنه ورغم محاربته للروم يسلم من ناحية التسمية أن البحر بحرهم، وكان يتأمل في البحر وإلى ما وراء مضيق جبل طارق من الناحية الغربية، وكان يفكر في المحيط الأطلسي الذي كان يسمى بحر الظلمات كان يتأمل في ملكوت الله، زاهدا في هذه الدنيا، وكان يفكر في ما وراء الظلمات التي يغوص فيها بحر الظلمات، يقول:

 

قدر ما في بحر الظلام

من هوايش وحيتان بلا قدر عايشين

مع الموجات بلا زمام

وعدد الرملة والأحجار اللي كاينين

الصلاة والسلام.

لالا مرياما والأولياء.

تمر الأطياف عند عبور الجسر، تغيب الزرقة قيلا.. رزقة البحر، وتستمر السماء زرقاء لا لون آخر فيها، إلا لون أشعة الشمس الملتهبة كأنها تقول أشياء وهي تلون زرقة السماء.. مساحات خضراء، تحت سماء زرقاء وهضبات تنتهي بقباب لبعض الأولياء الذين يحيطون بمستغانم وضواحيها.. بلدة خير الدين تطل من بعيد، ووسط قباب الأولياء، (قبة) من نوع خاص هي لـ « لالا مارياما » التي يسمونها عند الضفة الأخرى من بحر الروم « سانتا ماريا ».. هي قديسة وليست كالأولياء، تقام الوعدات وتوزع على قباب الأولياء الصالحين، حيث يحج إليها الناس من كل فج وربوة، وعندما ينتهون من طقوس الوعدة يذهب بعضهم إلى مقام « لالا مرياما » احتراما لها وتبركا بها، وبعضهم يطلب منها أن تلبي بعض الأمنيات الدنيوية البسيطة، تفريجا لكرب أو شكاية من هجر حبيب أو طلبا لوصل قد يكون مستحيلا لمعطيات واقعية، وتمتد أرض أسفلت كأنها بلا نهاية وسط الحقول الخضراء في هذا الفصل الحار، ومن هناك الطريق تشق بلدة عين بودينار، ثم أولاد علي وكان اللحن الصوفي يتصاعد شيئا فشيئا عند قول الولي سيدي لخضر:

صلى الله على صاحب المقام الرفيع

والسلام على الطاهر الحبيب الشفيع

قدر الداعي والمدعي ومن هو سميع

قدر الشاري في السوق ومن جاء يبيع

قدر الطايع للحق راه في أمره سميع

قدر ما قبضت اليد الكافلة بالجميع

قدر الحلفة والدوم والزرع والربيع.

من أجواء وعدة سيدي لخضر بن خلوف

قصيدة الشيخ لخضر بن خلوف بصوت قبل القائم على ضريحه بمستغانم

وعند البلدة تتفتح أزهار البنفسج، التي لا تعمر إلا سعات معدودات، لكنها مبتهجة بالحياة كأنها ستعيش أبدا، ولا تلتفت إلى الأزهار الأخرى التي تفتحت قبل يوم وماتت قبل ساعات.. أزهار البنفسج المستقبلة الموت فرحا تسكن الذاكرة، والإسفلت يشق المدن الصغيرة والقرى ويصل عين تادلس حيث يسكن الشيخ الجيلالي، المطرب البدوي الشهير وريث الشيخ حمادة ابن منطقة مستغانم، تختلط الألحان الصفية لفرق العيساوة المنبعثة من السي دي مع ألحان الشيخ الجيلالي عين تادلس بالقصبة والقلال المنبعثة من الذاكرة، ويذهب الخيال بعيدا حيث يجتمع سيدي لخضر بن خلوف مع الشيخ الجيلالي عين تادلس والشيخ حمادة، هناك بعيدا وراء الشفق الأزرق الناصع الزرقة التي تسمى سماوية وهناك ينتهي كل شيء إلا أن أرض الإسفلت لا تنتهي كأنها تعاندت الجغرافيا وهي تتلوى بحثا عن ضريح سيدي لخضر بن خلوف الذي يسكن عند ربوة لم ينسها التاريخ وبقي ذكره متجددا، تستمر طريق الإسفلت باحثة عن المقام، واللحن العيساوي يذكر الولي بودربالة، الذي يذكر في أغنية (مرحبا يا رجال الله) و(بوعلام الغالي) التي غنتهما الشابة الزهوانية، هذا الأخير القادم من الذاكرة مع قول المنشد العيساوي: (سيدي عبد القادر، سلطان البر والبحر)، وما بوعلام هذا إلا عبد القادر الجيلالي المتصوف الكبير دفين بغداد صاحب الكرامات التي لا تعد ولا تحصى، ثم يقول المنشد: (صاحب الشفاعة، ابعث لهم السلام.. جنة الفردوس من تحت أقدامنا).. لحظتها يكون طريق الإسفلت كأنه معلق وتحته جنات من الأشجار ليشق بلدة سيدي بلعطار.

العين تسكر

قبة.. قبتان، وأخرى في أعلى كل ربوة تحيط بالطريق، وفي كل ربوة يسكن أكثر من ولي صالح، لكل منهم حكاياته وكراماته التي لا تشبه حكايا وكرامات الآخرين.. هناك رجل يركب حصانا يسير بعكس  الاتجاه نحو مقام سيدي لخضر بن خلوف.. الحصان أبيض والرجل حيادي الملامح كأنه من الواقع وكأنه من الحلم وكأنه قادم من زمن ما على ظهر ذلك الحصان الأبيض الناصع البياض، وعند إرسال البصر شاقوليا هناك سد مائي صغير كأنه بركة وكأنه نهر صغير يسكن الحلم، تحوم حوله طيور تشبه النوارس أو هي كذلك، وفي  الأعلى مقام ولي آخر تجهل اسمه لكن من المؤكد أن له من الكرامات ما يؤهله للسكن وسط تلك الجنة الصغيرة، ثم هناك جرار عصري يدور كأنه حمار طاحونة يقوده شخص تحت لهيب الشمس يحوم حول نفسه بشكل سيزيفي، وخلف الجرار ما يشبه طاحونة الزيتون، به يدرس سنابل القمح بتلك الطريق التقليدية وقد استعان بتلك الدابة الميكانيكية عوض الدابة الحيوانية التي أحيلت على أعمال أخرى أكثر صعوبة وأكثر روتينا، ثم خزان مائي يشبه قباب أولياء الله الصالحين، وما هو بذلك.

عند مفترق طريقي بلدة ابن عبد الملاك رمضان وبلدة حجاج، وعند مغادرة المفترق ينبعث نسيم سيدي لخضر بن خلوف وهناك يظهر البحر الأبيض أو بحر الروم من جديد أزرق هادئ كأنه الزيت، إلى درجة يغيب عن الأنظار البرزخ الفاصل بين زرقة البحر الهادئ وزرقة الشفق الأزرق للسماء، وعلى حافة الطريق حمار يحمل كما هائلا من التبن كأنه يحمل الخطايا ويسير بها دون احتجاج في الطريق تحت عيني صاحبه الذي لا يشفق لحاله في سادية مطمئنة مطلقة، وعلى حافتي الطريق مزارع الكروم، كروم الخمرة التي تحرر الحواس وتجعل الروح سابحة بين زرقة البحر الهادئ الزيتي وبين زرقة الشفق الأزرق وتذهب بعيدا محلقة مع أرواح الأولياء، وسرعان ما ينشق الطريق الإسفلتي مخيرا المسافر بين الذهاب إلى وليين صالحين، إما الطريق إلى سيدي علي أو الطريق إلى سيدي لخضر، وعند اختيار المسافر طريق سيدي لخضر بن خلوف يصل به بسرعة إلى بلدة أولاد بوزيان، ثم البلدة التي تحمل اسم الولي الصالح سيدي لخضر بن خلوف، وسط مزارع كروم الخمرة الدنيوية التي تسكر المسافر عن طريق البصر وعن طريق الشم شهيق وزفيرا لتنفصل روحه عن جسده ويتحرر الجسد من أعباء الدنيا وهمومها، وعلى المسافر عند وصول مدينة سيدي لخضر ألا يغوص في المدينة أكثر وإلا عاد إلى العالم السفلي بكل همومه وحساباته ولصوصه وتجاره.. عليه أن ينحرف مع الطريق يمينا عابرا المساحات بحث عن مقام الولي.

المقام وحيطان الأمنيات 

على بعد كيلومترات معدودة من المدينة سكن الولي عند نخلته الخالدة التي أوصى أن يدفن عندها عندما علم بقرب أجله قائلا:

النخلة المثبتة من بعد اليبوس

حذاها يكون قبري يا مسلمين

كانت النخلة أول ما يظهر من علامات الوصول إلى المقام.. تترك الطريق المؤدي إلى سيدي بولحية الذي يوجد به قبر السيدة كلة أم الولي سيدي لخضر وقبر زوجته السيدة كنو، وقبل خيمة الشعر التي تبعد عن المقام بـ 100 متر يرقد الولي مع نخلته التي تطلع من الضريح حيث ثراه، باحثة عن السماء حيث روحه، وبالقرب من هناك مقام الكرامة الذي يحتوي على آثاره.. فرسه وعصاه على الصخر.. وغير بعيدا عن تلك المقامات المغارة حيث كان يتعبد الولي الصالح في خلوته، وعند الريح حيث يرقد منذ قرون ما تزال عجوز هي من أحفاده تسرد الحكايا عن الولي كأنها الوقائع وكأنها الأساطير وكأنها الأحلام، وعند جدران بعض الغرف المجاورة التي تسكنها قبور بعض الصالحين من أحفاد الولي وأحبته، حيطان مقدسة هي حيطان الأمنيات، فيها عبارات كثيرة لحجاج جاؤوا من كل ربوة وفج، بعضهم يطلب عملا، وبعضهن تطلب زوجا صالحا، وآخر يريد أن تصبح تجارته مباركة، وآخر طلب زوجة صالحة ومالا يقيه شر الحاجة، وآخر يطلب الوصال من حبيبته وقد كتب اسمه إلى جانب اسمها، وأخرى تكتب بالفحم رقم هاتفها النقال لعل الولي الصالح يبارك علاقتها الجديدة مع الذي يطلبها على الهاتف، تختلط الأمنيات في تلك الحيطان، حيث السماء الزرقاء والبحر الذي يبدو سرمديا، والولي الذي ما زال يرقد عند النخلة، تلك النخلة التي عمرها يقدر بالقرون ومازالت يافعة كأنها شابة في العشرين من العمر، ومازالت حكايا الولي سيدي لحضر بن خلوف عن كراماته التي لا تنتهي تماما مثل البحر الأزرق ومثل السماء الزرقاء التي تبدو أزلية.