كارل ماركس:
بون اكاي ورحلة السبعين يوما

كارل ماركس وزوجته جيني

عندما حل كارل ماركس بالجزائر بحثا عن الدفء لرئتيه، لم يكن يدرك أن تلك 72 يوما التي سيقضيها هنا في شارع « بون اكاي »، محمد الخامس حاليا، ستحمل له الكثير من  التعاسة الممزوجة بسويعات قليلة من بهجة فاترة، ورغم أن الباخرة التي أقلته للضفة الأخرى حملت اسم « سعيد » إلا أن ماركس لم يكن حسب مقربيه « سعيدا أبدا » بهذه الرحلة التي حرمته من رؤية ابنتيه وأحفاده لمدة طويلة وهو المتعلق بأسرته إلى حد كبير خاصة بعد رحيل زوجته الذي أدخله في حالة حزن شديدة زيادة على تعقيدات حالته الصحية.

وكأن الطبيعة تلفظ ماركس 

كانت الرسائل وحدها من تشي بأسراره ويومياته داخل إقامة فيكتوريا، بشارع « بون أكاي » محمد الخامس حاليا، رسائل حملت شرحا مفصلا عن الطقس في تلك الفترة والغريب أن وجود ماركس في الجزائر العاصمة تزامن مع أسوأ شتاء عرفته الجزائر، وكأن الطبيعة « لفظته » ولم يحظ ماركس بالطقس الملائم لحالته الصحية، حيث كان يعاني من مرض ذات الجنب واِلتهاب حاد في القصيبات الصدريّة، فقرّر الطبيب إرساله إلى الجزائر بعد أن اِتّضح أنّ مناخ انجلترا لم ينفع في علاجه ونقاهته، يقول ماركس في رسالة مؤرخة بـ: 23 جانفي 1882، إلى صديقه الرّوسيّ بيوتر لافروف: « الآن ينوون إرسالي إلى مكان ما في الجنوب، ربّما إلى الجزائر، لا يوجد خيار آخر، فإيطاليا محظورة عليّ، إذ تمّ في ميلانو اعتقال شخص يحمل نفس لقبي، كما أنّي لا أستطيع السّفر من هنا بحرا عبر جبل طارق لأنّني لا أملك جواز سفر، وحتى الانجليز يطلبون جواز سفر هناك ».. فاِضطرّ ماركس، في مثل هذه الظروف، إلى السّفر من لندن إلى باريس، ثم مارسيليا قبل أن يعبر البحر الأبيض المتوسّط نحو الجزائر ».

رحلة الجسد الميت

كانت حالة ماركس الصحية صعبة جدا، وبحاجة إلى رعاية طبية مكثفة ولم يكن قادرا في الكثير من الأحيان على مغادرة غرفته في الفندق بسبب الأجواء الباردة، لكنه تمكن في مرات قليلة من زيارة بعض الشوارع المحيطة بالفندق وصولا إلى غاية حديقة الحامة، ووصف ماركس في بعض الرسائل التي تبادلها مع أصدقائه البعيدين جدا، مكان أقامته التي بدأ يتقبل  موقعها الرائع حسب تعبيره حيث يمتد البحر الأبيض المتوسط مارا بنافذة غرفته التي تتيح له أيضا رؤية ميناء الجزائر، كما تصطف حولها فيلات مصفّفة في شكل مدرّج يتسلّق التّلال وبعيدا تُرى بوضوح جبال من بينها القمم المثلّجة والتي قال ماركس عنها: « يا لروعة المشهد صباحا في السّاعة الثامنة، الهواء، النبات، مزيج أوروبيّ إفريقيّ، في العاشرة صباحا كلّ يوم أو بين التّاسعة والحادية عشرة أقوم بنزهتي بين مجاري السّيول والتّلال الواقعة فوق تلي ».. هي الطبيعة استطاعت أن تخرج هذه الكلمات من قلب كارل ماركس وتعيد النفس إلى رئتيه المرضيتين لكنها حسبه تأخرت في منحه الدفء مع تأخر ربيع ذلك العام كثيرا جدا.

في تلك الصباحات الباردة كان ماركس يحاول جاهدا أن يخطو بعيدا عن غرفته في الفندق، محاولا ترك القلم والأوراق باحثا عن متعة أخرى واكتشاف عوالم لم يتذوقها من قبل، شوارع بمعالم جديدة ووجوه بملامح غير مألوفة، هذه هي الجزائر وهؤلاء هم سكانها              لا يفهم ما يخرج من ألسنتهم، لكنه كان حريصا حسب الروايات على عدم الاختلاط بهم إلا نادرا جدا، في المقاهي والساحات وحديقة الحامة أبعد نقطة وصلتها رجلي ماركس في شوارع العاصمة.

كان ملاذه الوحيد مع اشتداد البرد مقر إقامة – فندق فيكتوريا التي أتاحت لماركس التمتع بجمال الطبيعة والعمران في شارع طويل تنتصب عند سفح التّل فيلات محاطة بحدائق، ومن الجهة الأخرى تحفّ الطّريق بنايات مرتّبة في شكل سطوح وصولا إلى أسفل المنحدر وهو المكان المسمى محمد الخامس حاليا.

أكثر ما يشد الانتباه في رسائل ماركس لابنته وصفه للجو وكأنه يذيع نشرة جوية لحظة بلحظة، حيث فصل في إحدى رسائله لابنته لورا  حالة الطقس آنذاك قائلا: « تكهن مكتب الأحوال الجوية الرسمي باضطراب جوي شديد يومي 15 و16 نيسان (أي حدوث عاصفة) وكذلك 19 و21 و25 و27 و29 و30 نيسان؛ ومع ذلك فإن الطقس باقي شهر نيسان سيكون صافيا بشكل عام.. ولكن هناك مخاوف بأن أيار سيعوضنا عن عدم مجيء الربيع الجزائري الحق (والذي لم يبدأ إلا بالأمس) بوصول الصيف مباشرة ومعه الحر الذي لا يمكن احتماله. ومهما كانت الظروف، فأنا بالرغم من أني عديم الفائدة، لا أشعر بالرغبة في أن أكون محطة تجارب للأحوال الجوية. فبالنظر إلى غرابة الأشهر الأربعة والنصف الماضية، الله وحده يعلم ما تدخره الجزائر لنا، وقد غادرت أعداد كبيرة من القوم الأذكياء شواطئها الأفريقية قبل يومين.. أما أنا فأنوي البقاء حتى يقرر الدكتور ستيفان بأن جانبي الأيسر بحالة جيدة مجددا، بالإضافة طبعا إلى تلك الندبة التي يعرفها الأطباء الكبار دونكين وهيوم جيدا، والتي هي نتيجة نوبة سابقة من التهاب ذات الجنب. وما يرهقني هنا حتى الآن هو السعال المستمر وإن كان معتدلا إلى حد ما؛وفوق كل ذلك الملل الشديد ».

باخرة سعيد التي اقلت ماركس الى الجزائر

قهوة « المور » ونهاية رجل ملتحي

يروي كارل ماركس جزءا من يومياته في شوارع العاصمة واحتكاكه النادر بالجزائريين ففي زيارةٍ له إلى حديقة الحامّة المعروفة بحديقة التجارب، لمح « مقهى موري » في حي الأغا القريب منها، فجلس فيه ليحتسي فنجاناً من القهوة العربية.

ووصف ماركس ذلك المشهد  في إحدى رسائله إلى ابنته لورا قائلا: « قبل الدخول إلى حديقة التجارب، شربنا القهوة في الهواء الطَلق، في مقهى موري، الموري يُحضِّر قهوة ممتازة، كنا جالسين على كراسٍ، أمام طاولة من الخشب، في حضور مجموعة من الزبائن، يرتشف كل واحد منهم قهوته من إبريق صغير خاص به، وهم يلعبون الوَرَق كان المشهد رائِعاً ». و »المور » هي تسمية أطلقها ماركس على الجزائريين، وهي نفس التسمية التي أطلقها عليه أصحابه بسبب بشرته الداكنة وشعره المجعد.

في هذه الرسالة أيضا يصف ماركس بإسهابٍ شكل ولباس زبائن المقهى الجزائريين قائلا أنهم ذوو وجوه بيضوية الشكل أنوفهم كمنقار الصقر وشعورهم ولحاهم سود ولون بشرتهم يتدرج بين الأبيض إلى الأسمر الداكن أما لباسهم فأنيق ورشيق وحتى وإن كانت ثيابهم عبارة عن أسمال فلابد أن يكون معها سروال وفوق رؤوسهم عمامة أو مندلين من الموسلين الأبيض المدبوغ يلف حول طاقية وينتعلون خفافا من جلد الماعز الملون بالأحمر والأصفر.

غير بعيد عن ذلك المكان التقط له المُصوِّر دوتيرتر صورة له بلحيته الكثيفة التي يعرفه العالم بها، في صباح الغد المُوالي كتب ماركس لفريديرك إنجلز (28 أفريل 1882م): « بسبب الشمس، تخلّصت من لحيتي، لكن وبما أن بناتي يُفضلنني بها، فقد أخذت صورة قبل أن أُضحِّي بها على مذبح حلاَّقٍ جزائري »، كان ذلك الحلاَّق في حيّ القصبة.

هنا.. لا أحد يعلم

الصاعد اليوم عبر شارع محمد الخامس لن يتمكن من محاكاة وصف المكان حسب رسائل كارل ماركس، لا فيلات ولا تلال ولا مجاري سيول، مشهد خيالي بحث ولن يصدقه أحد من الجيل الحالي الذي لا يعرف عن الشارع سوى أنه مكان للسكن وحتى فندق « فكتوريا »، لم يعد موجودا ربما تحول إلى شقق أو هدم وبني مكانه عمارات سكنية التي نراها اليوم.

لم يعد شارع « بون اكاي » يحمل من الإسم شيئا فقد اختفت واختفت معها حكايا كارل ماركس وتقلباته المزاجية وجولاته النادرة في الشوارع المحيطة به وصولا إلى حديقة الحامة، ولكن المثير أن شتاء ذلك الوقت حسب المراجع ورسائل ماركس كان باردا جدا وهو ما منع ماركس من التمتع بجمال الجزائر حينها، وحبسته رئتيه داخل جدران غرفته في انتظار ربيع جزائري عانده ولم يأتي مبكرا فباغته الموت قبل أن يأتي الربيع.

ولم تنفع أيام النقاهة 72 يوما التي قضاها ماركس في الجزائر في تحسّن صحته، إذ قاوم مرضه لكنّه في 14 مارس 1883 توفي ولم يتجاوز 64 سنة من العمر، ودفن إلى جوار زوجته في مقبرة هايغات بلندن، ونعت موته الصّحافة الصادرة هنا آنذاك.

سطر لا أكثر.. الحياة أكثر قتامة

وفي آخر رسالة له لابنته جيني يوم 2 ماي 1882 يقول ماركس فيها: « طفلتي العزيزة سطر لا أكثر أعتقد أن جوار البحر هو وحده الذي يمكن أن ينفع المسكين، أما عن صحتي فهي في تحسن وإلا لما كان يسمح لي الطبيب بمغادرة إفريقيا، أعتقد أن بضعة خمس عشرة يوما ستكون كافية ».

كلمات قليلة فيها الكثير من الشجن حاول ماركس أن يكون قويا فيها، لكن ألمه كان ظاهرا بين سطورها، وهو يحاول إبعاد الخوف عن ابنته إلا أن شبح الموت كان يحلق فوق رأسه وهو الذي كان يتمنى أن يعود سريعا إلى عائلته رغم ما كان يكابده من ألم.

في بداية الحكاية قبل أن تنزل سفينة « سعيد » ماركس « الحزين » على أرض الجزائر تعّرض إلى صدمة نفسية عميقة أواخر عام 1881 إثر الوفاة المفاجئة لزوجته ورفيقة حياته جيني فون فستفالن، مما جعل صحته المتدهورة أصلاً تزداد سوءاً.. فقد كان ماركس مصاباً بالتهاب حاد في المجاري التنفسية وتورم في ألياف القفص الصدري، أدّى بدوره إلى تقلّص الرئتين وضيق التنفس وإلى نوبات سعال شديدة، كان مدخناً شرهاً ومصاباً بأمراض جلدية مزمنة تمنعه دائماً تقريباً من الاغتسال، وبات يخشى من زحف الالتهاب الصدري إلى دماغه، فقرر بناءً على نصائح الأطباء وصديقه فريدريش إنجلز وأفراد أسرته أن يمضي فصل الشتاء في مدينة الجزائر، ليواصل علاجه هناك، مستفيداً من اعتدال المناخ.

غادر ماركس مكان إقامته لندن في التاسع من فيفري 1881 متوجهاً إلى باريس، ليودّع ابنته الكبرى المسماة جيني أيضاً، ويتابع رحلته إلى مرسيليا ومن ثمّ إلى الجزائر المدينة التي وصلها بحراً في العشرين من فيفري، وغادرها بعد 72 يوما تاركا خلفا العديد من الكلمات والقليل من الأسرار التي خبأها في زوايا الشوارع القديمة، والمقاهي المصطفة على جانب الطرقات التي مر منها تاركا ذكريات يجهلها الكثير من سكان العاصمة اليوم وهم الذين استقبل أجدادهم ذات « ربيع جزائري قاس » الشيوعي الكبير كارل ماركس.

* مرجع: « موريسكي في الجزائر / رحلة كارل ماركس إلى الجزائر » للكاتب عبد العزيز بوباكير