كاتب ياسين:
الطروبادور الزاهد

حسان مرابط

كاتب ياسين صغيرا وسط عائلته

محمد خلوطي، ربما هذا الإسم لا يعرفه كثير من الجزائريين، من الجيل الجديد، هو الاسم الحقيقي لأحد عمالقة الأدب الجزائري ألا وهو كاتب ياسين الإنسان الثوري والمؤلف صاحب الروائع الخالدة مثل « نجمة » و »فلسطين مخدوعة » و »الرجل ذو النعل المطاطي » و »الأجداد يزدادون ضراوة ».

كاتب ياسين لم يسكن الجزائر بل سكنته نضالا وثقافة، فلم يستقر في بيت معين.. بل كان أشبه بالرحّالة.

الرحالة.. وحياة الزهد

عرف كاتب ياسين بتنقلاته الكثيرة داخل أرض الوطن والخارج، فعادة ما يبرح مكانه بعد أن يمكث فيه فترة ليست طويلة، فبعد مولده في قسنطينة (شرقي البلاد) ونشأته بها، حل في شمال البلاد وسافر للخارج مثل الاتحاد السوفياتي سابقا وفرنسا التي وافته المنية بها في العام 1989، ليدفن في مقبرة العالية بالعاصمة الجزائر، بجوار الرؤساء وكبار قادة الثورة التحريرية (1954-1962) بعد حياة مليئة بالنضال والمقاومة بالقلم.

في رحلة اقتفاء أثر كاتب ياسين الإنسان وأين كان يعيش وما هي المنازل التي سكنها؟.. عدنا إلى تتبع أثره في سيدي بلعباس، إحدى أجمل مدن الغرب الجزائري، تجاور وهران وعين تيموشنت وتلمسان، حاضنة الفن وموطن موسيقى الراي، وأطلق عليها هذا الإسم نسبة إلى الولي الصالح سيدي بلعباس البوزيدي.

دخل كاتب ياسين مدينة بلعباس مسؤولا، بعد تعيينه في منصب مدير المسرح الجهوي (غرب الجزائر)، هذا المسرح الذي يشكل معلما عمرانيا وصرحا ثقافيا وفنيا مهما يحمل اسمه الآن، وهو صرح شيدته فرنسا ويعدّ تحفة معمارية.

أناس كثر بسيدي بلعباس وأبناء محافظات أخرى خاصة من الجيل الجديد يجهلون أين كان يقيم صاحب « دائرة القصاص » بمدينتهم، ولا شكل بيته، باستثناء البعض مثل من كانوا جيرانه وأصحابه أو آخرون يعرفون فقط أنّ المعلم الذي يزين ساحة أول نوفمبر بقلب هذه المدينة النابضة بالحياة والدفء يحمل اسم أحد عمالقة الأدب والمسرح في الجزائر.

يروي احميدة عياشي الكاتب ورفيق كاتب ياسين جزء من السيرة الإنسانية لصديقه الراحل، ويكشف جزء من زوايا مظلمة ارتبطت بحياته وليست معروفة للعامة.

احميدة عياشي الذي احتفى بـكاتب ياسين الملقب بـ « نبي العصيان »، قال في لقاء إنّ: « ياسين اختار هذه الحياة لا لشيء سوى لأنه كان قد فضل حياة الزهد والعيش ببساطة وتواضع.. وعندما عيّن كاتب ياسين مديرا لمسرح سيدي بلعباس (غربي البلاد)، منحت الدولة لمعظم أعضاء فرقته المسرحية شققا، أما هو ففضل أن يسكن بضواحي سيدي بلعباس، وتحديدا في بلدة تسمى « تانيرة ».. الملفت للانتباه في الأمر، أنّ ياسين تنازل عن هذا المسكن لأحد ممثليه الذي كان بدون شقة ».

من ميسوني إلى بن عكنون

يسرد عياشي محطات الثوري المتمرد، فيذكر أنّ كاتب ياسين الذي تعلم القرآن وهو صغير السن، بمحافظة سوق أهراس الحدودية مع تونس، تزوج ابنة دبلوماسي جزائري كانت ملتزمة بالقضية الفلسطينية، وذلك بعد أن تعرف عليها في بيروت (لبنان) إثر عودته من فيتنام في العام 1968 عندما التقى بزعيم الثورة الفيتنامية هوشي منه.

عاش كاتب ياسين مع زوجته في حي ميسوني (حي خليفة بوخالفة حاليا) أحد أشهر الأحياء الشعبية العريقة بالمحروسة أو العاصمة الجزائر، ميسوني حي احتضن النخبة والقيادة إبّان الثورة التحريرية (1954 / 1962)، كما كان معقلا للجماعات الإسلامية خلال سنوات التسعينيات من القرن الماضي.. المعروف أنّ التجول في شارع ميسوني يبدو صعبا للغاية لحركية المارة وكثرة السيارات، هذا الحي العتيق، مهمش وفي طي النسيان، بعيد عن أعين السلطات رغم أنّه يقع على مسافة قصيرة من قصر الحكومة والمراكز الأمنية وثلة من المؤسسات الحساسة.

لم يكتب للعلاقة بين كاتب ياسين بزوجته التي أنجبت له إبنا هو اليوم مغني شهير يسمى أمازيغ كاتب، أن تستمر، فحدث الطلاق، فترك لها ياسين المنزل.

انتقل كاتب ياسين إلى المركز العائلي التابع لوزارة العمل بابن عكنون بأعالي العاصمة الجزائر، خاصة وأنّه كان يشرف على فرقة مسرحية مدعمة وتابعة لوزارة العمل، وكان على رأس الوزارة يضيف عياشي: « آنذاك (1968 / 1977) محمد السعيد معزوزي الملقب بـ « مانديلا الجزائر »، والذي قضى 17 سنة من عمره في السجون الاستعمارية، لينتقل إلى جوار ربه في العام 2016 عن عمر ناهز 92 عاما ».

لا يخفي المتحدث أنّه تجول والتقى كثيرا مع كاتب ياسين وتناقش معه في قضايا مختلفة، فالرجلين تعرفا على بعضهما بسيدي بلعباس، وتكونت بينهما صداقة، ولعل أبرز ما سرده احميدة عياشي في كتابه « مذكرات صحفي » أنّه ذهب إلى شقة كاتب ياسين التي كان يقيم بها في بن عكنون، مرفوقا بـ « أمغار » الذي كان يريد أن يتعرف عليه، استقبلهم ياسين، حيث وجد عنده شخص يدعى علي زعموم، وقال إنّه ترك في شخصيته بتواضعه وتجربته في النضال الوطني والسياسي آثارا عميقة، بل أكدّ أنّ زعموم صديق ورفيق كاتب ياسين كان السبب الرئيس في عودة صاحب رواية (نجمة) من منفاه الباريسي إلى الجزائر عام 1973 لينشئ مع شبان كانوا ينشطون في فرقة (مسرح البحر).

كشف عياشي أنّ كاتب ياسين كان يقيم رفقة مساعديه، محمد ومرزوق، في المركز العائلي ببن عكنون، واشتغل معه كمترجم لبعض مسرحياته من الفرنسية إلى العربية الجزائرية، وكانت إقامته لديه ثمينة بعد تعرفه على شخصيات كانت تزور كاتب ياسين، سواء المعروف منها أو المجهول،وذكر منها يترددون بيار ليدو، جزائري من أصول يهودية، كان يشتغل بمركز السينما، لم يكن يتحدث كثيرا، كان مخرجا سينمائيا بلونسيك.. كانوا يتجولون رفقة كاتب ياسين في غابة ابن عكنون، حيث كان الراحل يفضل النقاش وهو يمشي، في حين كان بيار ليدو متحفظا في الكلام وذو حساسية مفرطة، ويوم وفاة كاتب ياسين نهاية أكتوبر 1989 صورّ ليدو التفاصيل الكاملة للجنازة.

يعود أحميدة عياشي إلى شقة كاتب ياسين بالمركز العائلي ببن عكنون، ويتذكر ما كان بداخلها من أحداث وأغراض وأشياء بسيطة وثمينة في الوقت نفسه، الشقة التي عاش فيها إلى غاية وفاته في فبراير/ شباط عام 1989، كما يصفها تتكون من غرفة، تضم سريرا كبير وبضعة حقائب سفر، لكون صاحب « نجمة » كان دائما يسافر من مكان إلى مكان، وكذا آلة كاتبة يكتب عليها نصوصه التي تعددت وتنوعت وبقيت راسخة في مكتبة الثقافة الجزائرية والعربية وحتى الأجنبية، لأنّ أغلب النصوص التي كان يكتبها وقّعها باللغة الفرنسية، بحيث كان يرى فيها أنّها « غنيمة حرب » وأنّه يكتب بالفرنسية ليقول للفرنسيين أنّه ليس فرنسيا.

في وصفه لصالة المعيشة قال أحميدة عياشي إنّها كانت قاعة استقبال متواضعة، يستضيف فيها كاتب ياسين الضيوف من الأقارب والأصدقاء ومعارفه وكذا الكتاب والمثقفين والذين نضال معهم ضد الاستعمار الفرنسي، تحتوي بدورها على طاولة وكراسي، ومكتبة صغيرة، تطل على رواق يؤدي إلى مطبخ صغير.

تنيرة.. ومزرعة الجندي

وبالعودة إلى سيدي بلعباس، اختار كاتب ياسين العيش في دائرة « تنيرة » والتي تعني « الأرض الطينية »، وسميت بهذا الاسم تمييزا لها عن غيرها من المناطق ذات التراب الأحمر، وهي منطقة ذات أرض خصبة، وفي الذاكرة الشعبية تدل على كلمة بربرية ولديها امتداد تاريخي منذ القديم، كذلك هناك رواية تقول أن أصل الكلمة جاءت من عند الفرنسيين الذين أطلقوا على هذه المنطقة (tenir à) أي منطقة عبور وترجمت إلى العربية  »بتنيرة »، وأثناء الحقبة الاستعمارية سنة 1852م اتخذها الفرنسيون مركزا أساسيا لمراقبة تحركات المجاهدين.

هنا في هذه الدائرة ذي الطابع العمراني والحضاري، والتي لا تبعد عن عاصمة المحافظة ببضعة كيلومترات، مكث كاتب ياسين في شقة عادية لفترة معينة مكونة من غرفتين.

يعود الحكواتي ماحي صديق بالذاكرة إلى ماضي وعفوية وبساطة كاتب ياسين قائلا لـ: « على لسان أحد أصدقاء كاتب ياسين إنّه كان يقطن في حي 50 مسكنا، مجموعة من الشقق شيدتها الدولة بعد الاستقلال في العام 1962 ولا تزال إلى يومنا هذا بعدما بنيت من حولها منازل وسكنات أخرى ».

وأشار المتحدث إلى أنّ ياسين في أوقات الراحة كان يفضل التجول بين الحقول والتمتع بالطبيعة واستنشاق الهواء النقي، كان يركب دراجته الهوائية، حيث يزور باستمرار مزرعة تقع بتنيرة يلقبها السكان المحليون « فيرمة الجندي » (مزرعة الجندي)، كما تسمى أيضا « المالح الفوقاني »، أو يلعب « التنس » مع رفاقه.

وعقب هجرة أغلب الممثلين الذين منحت لهم شققا بحي 50 مسكنا، أهدى كاتب ياسين شقته لأحد الممثلين وغادر نحو العاصمة بعد أن حدث خلاف بينه وبين أعضاء فرقته الذين رفضوا مسرحيته الجديدة حول الرئيس الجنوب الإفريقي الراحل « نيلسون مانديلا ».