قصور الزيبان :
شواهد على تاريخ عتيق

الأستاذة بـوزاهـر سمية
د. علقمه جمال  

تتميز منطقة الزيبان ولاية بسكرة بانتشار القصور والأنوية القديمة التي لا يكاد قصر أو نواة من الخلو من معلم ديني أو تاريخي (مسجد، مدرسة قرآنية، أضرحة لصحابة وأولياء صالحين) أنشأت داخل هذه الأنسجة العمرانية للقصور لارتباطها بالعقيدة ونشر الثقافة والدين الإسلامي إذ أن منطقة الزيبان تتمتع  بمعالم دينية وثقافية ومواقع أثرية كثيرة ومتعددة التي من شأنها أن تصبح  قطبا سياحيا هاما.

أبرز هذه المعالم مسجد الصحابي الجليل عقبة بن نافع الفهري ببلدية سيدي عقبة الذي يهتم به رجالات الدين والتاريخ، لما له من أهمية بالغة في التاريخ الإسلامي لمنطقة المغرب العربي، في بداية نشر الإسلام.

إلى جانب ذلك هناك عدد من الزوايا فعلى سبيل المثال بمدينة طولقة الواقعة شرقي الولاية نجد الزاوية العثمانية، وتزخر مدينة أولاد جلال بمعالم دينية هامة منها المسجد العتيق بساحة الرحبة القديمة والذي يشتهر بصومعته التي تعود ـ حسب الدراسات ـ إلى سبعة قرون من الزمن، وليس بعيدا عن هذا المسجد نجد الزاوية القادرية التي أسهمت عبر تاريخها في تخرج مئات الطلبة، وبمدينة سيدي خالد المجاورة نجد مسجدها العتيق الذي يتحوّل في ليلة 27 رمضان من كل سنة إلى قبلة لآلاف الزوار الذين يفضلون إحياء ليلة القدر المباركة بهذه المدينة أسوة بعادات وتقاليد موروثة منذ مئات السنين.

من الملفت للانتباه أن جميع هذه الزوايا والمساجد موجودة ونشأت داخل الأنوية القديمة لمنطقة الزيبان ما من شأنه أن يساهم في الدمج بين السياحة والسياحة الدينية لتحقيق الترابط وإعادة إحيائه قصد تحقيق مستوى معين من التطور والإدماج في الاقتصاد الوطني، وجلب السياح بعدد كبير من الدول، إذ لا يخلو تجمع سكاني في القصور والأنوية من المعالم الدينية، واستعمال هذا التراث المعماري والعمراني والديني كمادة أولية لتنشيط السياحية الدينية، وبناء إستراتيجية للتنمية المستدامة تعتمد على الموارد المتاحة مما يشجع على اقتراح برامج للتهيئة السياحية وخلق مسارات سياحية في منطقة الزيبان بنوعيها لإنعاش السياحة الدينية خاصة والسياحة عموما وذلك من أجل المحافظة على التراث العمراني والمعالم التاريخية الدينية، وإعادة إدماج القصور كأداة  ارتباط مع العمران الحديث.

الزيبان بوابة الصحراء

تقع منطقة الزيبان في الناحية الجنوبية الشرقية للجزائر؛ تحت سفوح سلسلة جبال الأوراس، التي تمثل الحد الطبيعي بينها وبين الشمال، وبحكم هذا الموقع الإستراتيجي تعتبر همزة وصل بين الشمال والجنوب وبين الشرق والغرب، وقد أعطاها هذا الموقع دلالة « بوابة الصحراء »، وسمح لها خلال مختلف العصور بأن تكون نقطة التقاء أثناء في موسم الحج، وكمجال للتبادل التجاري (Léon l’africain.1977)، وشكلت أيضا جسر انتقال بين شمال مهيكل ومجهز وجنوب محروم ومنسي، وبالرغم من هذا فهي من أجمل المناطق وأكثرها هشاشة بمناظرها الطبيعية والبانورامية وببساطة تركيبتها الصحراوية.

تضاريس المنطقة تنقسم إلى أربعة مجموعات: السلاسل الجبلية، والهضاب العليا في الشمال، والهضاب الكبرى التي تمتد حتى الجنوب الغربي، ثم السهول التي تمتد إلى الشرق، وأخيرا المنخفضات التي تقع في الجنوب الشرقي للزيبان، هذه الجغرافيا أثرت إيجابا في التنوع البيئي وأكسبها إرثا ثقافيا متمثلا في مختلف أنواع الأنوية القديمة باختلاف عمارتها وعمرانها وكذلك الإرث الطبيعي الذي يتمثل في المناظر المتضاربة بين المناطق الجبلية إلى المناطق الصحراوية الواحية.

انقسمت منطقة الزيبان فيما مضى إلى 4 زيبان وهي: زاب بسكرة، الزاب الشرقي، الزاب القبلي (يلقب أيضا الغربي) (جنوب)، والزاب الظهراوي (يلقب أيضا الغربي) (شمالا).

الزاب الشرقي يمتد تحت سفوح جبال الأوراس وشط ملغيغ إلى وادي بسكرة، ويتميز بطبيعة فلاحية خاصة كواحة زاب سيدي عقبة وزاب زريبة الوادي وزاب خنقة سيدي ناجي، يحتوي على حوالي 25 زاب.

ثم الزاب القبلي (جنوب) يحتوي على مجموعة من الواحات تقع على هضاب واد جدي، حيث نجد تحت رمال هذا الزاب مجاري مائية جيدة مما يعكس طابعه الواحي واحتوائه على النخيل أكثر من الزاب الشرقي، ويترأس هذا الزاب زاب أولاد جلال وزاب سيدي خالد ويحتوي على حوالي 11 زاب.

وأخيرا الزاب الظهراوي (الشمال) يفصل بينه وبين الزاب القبلي كثبان رملية ومجموعة من السبخات، يحتوي بدوره على مجموعة من الواحات التي تسقى من المياه المنحدرة من الجبال التلية ويترأس هذا الزاب، زاب طولقة ويحتوي على حوالي 18 زاب.

أما التجمعات الإنسانية المتواجدة في السفوح الجنوبية لسلسلة جبال الأوراس مثل جمورة، قديلة، بن سويك والقنطرة، فتمتاز بالإضافة إلى نسبة قليلة من النخيلة بالأشجار المثمرة مثل  الحوامض.

بحكم توضع والاختلاف في جغرافية هذه الزيبان فإن هذا الأخير أنعكس على عمارة وعمران كل زاب من حيث أنماط البناء والتجمعات ومواد بناءه، بل تمظهر ذلك حتى في شخصية ساكنها.

قصور الزيبان قبلة للسياحة الدينية

تتوفر ولاية بسكرة على مؤهلات واعدة في مختلف أوجه السياحة، لاسيما في حقل السياحة الدينية، مما  قد يحولها إلى ولاية ذات قبلة للسياحة الدينية انطلاقا من الاستغلال الأمثل للهياكل وللمرافق المتاحة، والمتوفرة، كأهمية مسجد وضريح الصحابي الجليل عقبة بن نافع الفهري، الذي أصبح مركبا إسلاميا ذو طابع عمراني متميز.

كذلك تضم  مدينة سيدي عقبة مزارة تضم 314 جندي من خيرة جيش عقبة بن نافع استشهدوا أمام حصن تهودة، وتحتوي أيضا على تحف ذات قيمة تاريخية، كباب المسجد الذي يعود تاريخه إلى ألف سنة.

أهم المزارات والمساجد

مسجد سيدي عقبة: مسجد وضريح الفاتح المعروف عقبة بن نافع الفهري، نقوش عربية على الحجر من الحقبة الأولى للفتح الإسلامي للمنطقة، أقدم نقشة عربية غير منقوطة.

مزارة سيدي خالد: المعروف لدى بعض المؤرخين بخالد بن سنان العبسي، لهذه المزارة مهرجان سنوي يقام في ليلة 25 و26 رمضان، حيث الاحتفالات والوفود القادمة من مختلف مناطق الوطن.

بالإضافة إلى ذلك هناك عدة زوايا ومساجد عتيقة تعتبر رموز للمنطقة من بينها وأهمها: مقام سيدي زرزور، مقام سيدي عبد الحفيظ الخنقي، مقام سيدي عبد الرحمان الأخضري (مخادمة) باب المسجد مهدي، سيدي عبد الرزاق، زاوية أولاد جلال، مسجد سيدي مبارك بخنقة سيدي ناجي، وتضم أغلب هذه المساجد مخطوطات في مختلف مناهل العلوم والمعارف، إلى جانب مجموعة من المؤسسات الدينية مثل زاوية علي بن عمر بطولقة، يضاف إلى ذلك العديد من الاحتفالات الاجتماعية المحلية، التي تأخذ صبغة دينية وتجذب إليها الأهالي من شتى أرجاء الوطن كموسم سيدي الصالح بجمورة، موسم سيدي محمد بن موسى بالصحيرة، موسم سيدي لخضر بطولقة، وموسم سيدي لمغزي ببوشقرون.

زيادة عن ذلك فإن مدينة بسكرة تضم المسجد الكبير، بناه عبد القادر بن قانة ويوجد في وسط المدينة، كان يعرف سابقاً باسم جامع القائد مسجد بكار، بناه بكار وكان أحد أثرياء المدينة والمسجد يحمل اسمه أيضا، يقع في  وسط المدينة.

مسجد التيجانية في وسط المدينة وهو موجود على امتداد الشارع الذي يوجد فيه المسجد الكبير، هذا المسجد من أقدم المساجد الحديثة في المدينة، ومسجد سيدي بركات المعروف مسجد السنة وهو مسجد كبير ومن أجمل المساجد في بسكرة وأكبرها مساحة ،إضافة إلى مسجد الذي يضم الزاوية القادرية بجانب وادي سيدي زرزور.

من الملفت للانتباه أن جميع الأنوية القديمة نشأت بها زوايا للأولياء الصالحين الذي كان دورهم تعليم القرءان ومبادئ الشريعة الإسلامية مما جعل ولاية بسكرة من أول ولايات الجزائر التي نشأت بها المساجد بكثرة.

إن العمارة السياحة الدينية والتراث الثقافي الإسلامي لولاية بسكرة يشكل طابعا خاص يخدم الوجهة السياحية والمحلية في آن واحد، لا سيما توفر بعض وحدات الخزف والصناعات التقليدية وهي متواجدة بكل من مشونش والقنطرة، وقد يساعد في إدماجها برامج تنمية مستديمة تحترم البيئة والمحيط، وتساعد على نمو الاقتصاد المحلي الوطني، ويجب أن يكون النشاط السياحي عامل إيجابي وإضافي في النشاطات الاقتصادية المحلية بدون أن يتحول إلى نوع من الثقافة النمطية كما يستطيع أن يكون مقوم ومنشط للمناطق الخاملة.

أهم المعالم الأثرية وتوزيعها عبر الزيبان

البلديةاسم المعلمتاريخهتاريخ التصنيف 
بسكــرةبقايا حماماتعهود قديمة1900
بسكــرةأطلال جيملاعهود قديمة18ـ 07-1952
امليليأثار جميلةعهود رومانية18ـ 07-1952
سيدي عقبةباب مسجد عقبة بن نافعالقرون الوسطى1900
سيدي عقبةمسجد عقبة بن نافعالقرون الوسطى1996
سيدي عقبةسد فم الغرزةالعهد الروماني1996
سيدي عقبةمدينة تهودة الاثريةالعهد الروماني1996
امشونشاخاديد امشونشأثر طبيعي30ـ01ـ1928
امزيرعةاخاديد سيدي مصموديأثر طبيعي30ـ01ـ1928
امزيرعةقرية اكباشأثر طبيعي30ـ01ـ1928
خنقة سيدي ناجياخاديد خنقة سيدي ناجيأثر طبيعي30ـ01ـ1928
خنقة سيدي ناجيالقريةأثر طبيعي30ـ01ـ1928
القنطرةنصب السبع مقاطععهود قديمة26ـ09ـ1933
القنطرةالجسر الرومانيعهود قديمة1900
القنطرةاخاديد القنطرةاثر طبيعي23ـ01ـ1923
القنطرةتشكيلات حجريةعصور قديمة1900
الوطايةمخطوطاتعصور قديمة26ـ09ـ1937
الوطايةالوطايةعصور قديمة1900
سيدي خالدمسجد سيدي خالدعصور وسطى1999

علاقة المعالم الدينية والقصور والأنوية القديمة

إن المعالم الدينية والمساجد والزوايا القرآنية التي كان دورها نشر والحفاظ على تعاليم الدين الإسلامي تساهم في عملية التهيئة السياحية  للمناطق الموجودة بها، فقد كانت الزوايا والمدارس القرآنية تقوم بتعليم تعاليم الدين والفقه الإسلامي مما جعلها قبلة للعديد من طالبي العلم من مختلف مناطق البلاد، فلا يكاد قصر أو نواة من الأنوية القديمة يخلو من مسجد أو زاوية لتعليم القرآن فنتج عنها صلة قوية ذات ربط اجتماعي ديني وثقافي.

قد تساعد هذه المعالم الدينية في إعادة إحياء العمارة المحلية، وقد تستطيع أن تتيح عدة فرص لتشكل في حد ذاتها مورد اقتصادي محلي في حالة ما إذا تم استرجاع وإحياء هاته العمارة الإسلامية، والقيام بعمليات الترميم، وإعادة الإحياء قد يساهم في إبراز دور الحرفيين المحليين (كل أنماط النشاط الحرفي)، حيث يشكلون نظام مولد لليد العاملة الحرفية المتخصصة، وهذا النوع من الأعمال في هاته المناطق هو الأساس إذ لا يوجد بديل آخر للعمل الصناعي، ويمكنهم بالإضافة إلى ذلك نقل هذه الحرف إلى الأجيال الجديدة عن طريق التكوين والتعليم، وبهذا نستطيع أن نسترجع العمل الحرفي.

كما يمكن بناء فنادق قرب المعالم التاريخية والدينية من أجل الحصول على الاستقلالية الاقتصادية لكل زاب، والإسهام بالتالي في إعمار الأنوية القديمة مما سيقلل من هجرة سكانها ويكون محفز للبقاء، وربما يكون محفز لعودة السكان الأصليين النازحين إلى المدينة.

إن رسم المسارات في قلب المواقع التاريخية والدينية بالعودة إلى الماضي واكتشاف تراث معماري ومعالم قديمة باهرة والتمتع بمناظر طبيعية خلابة، يعتمد على عدة مؤثرات: ثقافية، اجتماعية واقتصادية، ومعرفة معمقة لإنجاز مشاريع تحافظ على كل هذا الموروث المادي واللامادي.

تزخر الزيبان بالمناظر الجبلية والأخاديد المختلفة، كأخدود القنطرة المعروفة عالميا، وأخدود بني سويك، وأخدود خنقة سيدي ناجي المصنفة كإرث عالمي من طرف منظمة اليونسكو، هذه المساحات الجغرافية تضم مجموعة من التجمعات الإنسانية (قصور ودشور) لا مثيل لها، حيث أن في كل تجمع إنساني عمارة مختلفة تعتمد على نفس المكونات الطبيعية من جبال، أودية ونخيل وغابات ولكن لكل منطقة تنظيم خاص بها، مما يجعل منها مصدر إلهام للمعماريين والباحثين، وكمثال على ذلك فعمارة بعض هذه التجمعات تتميز بتوسعها العمودي المائل الخاضع لخطوط تسوية الجبال، في حين أن الجهة الجنوبية للمنطقة تعتبر مدخل وبداية للصحراء مفتوحة على السماء والأرض، بعكس المشاهد التي في الشمال حيث تتأطر بالجبال، والعمارة في جنوب الزيبان تحتمي بواحات النخيل وتمتد أفقيا وفقا للأرضية.

إن المعالم الدينية والتراث المعماري والعمراني لولاية بسكرة يعتبر مادة أولية وأساسية لتنشيط السياحية بصفة عامة والسياحة الصحراوية بصفة خاصة، فاختلاف المناظر الطبيعية التي تزخر بها عروس الزيبان يجعل هذا النوع من السياحة لا يقل أهمية عن أن أي نوع من السياحة البيئية، وقد ينشأ عنها إستراتيجية للتنمية المستدامة تعتمد على جميع الموارد التاريخية واليد العاملة الاقتصادية والأساليب المتاحة التي تشجع على اقتراح برامج للتهيئة السياحية وخلق مسارات سياحية في منطقة الزيبان بنوعيها لإنعاش الاقتصاد المحلي الذي بدوره ينعكس على الاقتصاد الوطني.