شارل سبنسر شابلن :
على خطى شارلو في الجزائر

عبد الحفيظ صواليلي

لحضة وصول شابلن الى الجزائر

لم يكن يوم الأربعاء الخامس عشر من شهر أبريل سنة 1931 يوماً عادياً كسائر الأيام في الجزائر، فقد شهدت المحطة البحرية لميناء العاصمة ومحيط المسمكة والأميرالية، حركة غير عادية.. وهو الأمر نفسه على المشارف المطلّة على الميناء لاسيما ميدان بروسون « بور سعيد حاليا »، وجادة الجمهورية، « شي غيفارا » و »زيغود يوسف حاليا »، ونهج بوجو « مصطفى بن بولعيد »، أين تجمّع الآلاف يرمقون الأفق في انتظار رسو سفينة « لاموريسيار » التي كانت تقلّ على متنها شخصاً مشهورا ألفوا رؤيته فقط على الشاشة، كان ذائع الصيت لدى الكثيرين بصفته فناناً وممثلاً كوميدياً من الطراز الأول، ترك بصماته في السينما الصامتة والساخرة معاً في تلك الفترة من الزمن؛ إنه « شارل سبنسر شابلن »، أو « شارلو » كما يفضل الكثيرون تسميته ومناداته، كان هو هو في زيارة للجزائر نادرة.

كانت زيارة شارلي شابلن تلك للجزائر الأولى والأخيرة والتي صادفت يوم احتفاله بعيد ميلاده الثاني والأربعين، حيث ولد هو 16 بالسادس عشر من أبريل من عام 1889.. لقد أسالت هذه الزيارة الكثير من الحبر وتناولها الإعلام بإسهاب، ولم تكن لتمر كأي زيارة عادية، رغم أن « شابلن » لم يأتي قاصداً العمل فيها البتّة، بل جاءها من أجل الراحة والإكتشاف فقط، غير أن شخصية بحجم « شابلن » وشهرته لم تسمح بأن تمضي تماماً كما أراد لها وحدّد مبتغاه منها.. إن زيارته الشهيرة تلك كانت ضمن جولة مخطّط لها، كانت ستشمل العديد من الوجهات والأمكنة، بعضها تمّ بالفعل وألغي البعض الآخر منها لظروف خارجة عن إرادته على غرار رحلته إلى المغرب واليابان، فيما مرّت زيارته لجنوب فرنسا سريعة ً كمرور الكرام.. فقد كان مفترضاً أن يبحر « شابلن » على متن السفينة « الحاكم العام شانزي » قبل أن يستقر الأمر به على سفينة « لاموريسيار »، والتي عرفت بعد أحد عشر عاماً من رحلة « شابلن » هذه ذهاباً وإياباً، حادثا مأساوياً تمثّل في غرقها ومقتل ثلاثمئة شخص كانوا على متنها، حدث ذلك بعام 1942.

الإبحار إلى الجزائر

بدأت رحلة « شارلي شابلن » من مدينة « نيس » الواقعة جنوب فرنسا، أين استقل القطار السريع « كوت دازور » باتجاه مدينة مارسيليا رفقة شقيقه « سيدني شابلن » وصديقته الشهيرة « ماي ريفز » إلى جانب مجموعة من المرافقين.. مترجمين وطاقماً من أمناء مكتبه، كان منهم « كارلايل روبنسون » و »جوليان سميث » مفوض أفلامه السينمائية.

وصل « شابلن » مدينة مارسيليا قرابة الساعة منتصف النهار، حيث نزل بمحطة « سانت شارل »، حظي خلالها بحراسة مشددة من طرف الشرطة، ثم خرج عبرها باتجاه ميناء مرسيليا قاصدًا الجزائر على متن سفينة « لاموريسيار » التي بنيت قبل عشر سنوات بعام 1921، حيث عادة ما كانت تقوم برحلات منتظمة بين مرسيليا والجزائر، كما رافق « شابلن » في رحلته إلى الجزائر، مدير أسفاره الصقلبي « ايفينوف » وسكرتيرته الخاصة الآنسة « ليرنشتاين »، حيث حرص الممثل على أن يكون طاقم وفريق عمله بصحبته أيضا.

كما حرص « شابلن » أيضا على مراسلة « جوزيف أليتي » مالك فندق « أليتي » بالعاصمة الجزائرية (السفير حاليا)، ليطلعه على برنامج زيارته المقرّر له بفترة إقامته بالجزائر.. فقد إفترض « شابلن » أن يصل مساء يوم الأربعاء الخامس عشر من أبريل 1931، يمكث بالعاصمة الجزائر إلى غاية يوم الجمعة صباحاً، ويتّجه بعدها إلى مدينة بوسعادة، فمدينة بسكرة، ليعرّج على قسنطينة قبل أن ينتقل إلى العاصمة تونس، عائداً من ثمّ إلى الجزائر، على أن تكون وهران إحدى محطات زيارته ومن هناك إلى المغرب وتحديدا مدينة فاس والرباط والدار البيضاء ومراكش، ومن طنجة إلى إسبانيا حيث كان سيحظى باستقبال رسمي من ملكها « ألفونس الثالث عشر ».

لم يتوانى « شابلن » في تحديد برنامجه في مراعاة نصائح « جوزيف أليتي »، حيث تلقى هذا الأخير خطاب « شابلن » في الثالث عشر من نفس شهر أبريل 1931، جاء في مطلعه التالي: « سأقوم باستقبال جميع ممثلي صحف شمال إفريقيا والصحافة الأجنبية أيضا عند بهو الفندق بعد وصولي على متن سفينة « شانزي » يوم الأربعاء، تحياتي . شارلي شابلن ».

ولكن البرنامج الذي وضعه « شابلن » تغيّر لظروف عديدة بما في ذلك السفينة التي أقلته إلى الجزائر وهي السفينة البخارية « لاموريسيار » بدلاً عن « شانزي »، كما أن مدة إقامته بالجزائر لم تدم طويلا رغم اعجاباً الشديد بها، وألغى عبرها رحلاته إلى تونس والمغرب وحتى اليابان أيضا، وقد ظلّ يتذكر رحلته الجزائرية بشوق كبير.

مرور خاطف عبر مرسيليا

بدا القلق واضحاُ على « شابلن » عند مروره على مرسيليا، فبقاءه فيها لم يستغرق من الوقت سوى بضع دقائق معدودة لم تتعدى العشر بين نزوله في محطة « سانت شارل » من عربة القطار المهيئة على هيئة غرف من الجهة الخاصة بالسلع والبضائع إلى توجّهه نحو ميناء مرسيليا، حظي من خلالها باستقبال جمع غفير من المعجبين به والصحفيين الراغبين في اقتناص سبق مثير منه.. كان « شابلن » مرتدياً بدلة رمادية اللون وقبعة « بولر » سوداء اللون ويحمل في يد عصا صفراء، ولم تكن الابتسامة تفارق محياه مطلقاً.. مرّ بعدها موكب « شابلن » سريعا عبر شوارع مرسيليا في جو ربيعي جميل ليصل منتهاه بميناء المدينة . خاطب « شابلن » مستقبليه مباشرة فور وصوله إلى حظيرة الشركة العامة العابرة للأطلسي مالكة سفينة « لاموريسيار »، عبر أحد المترجمين معربا عن رغبته في ركوب السفينة في الحال، حيث أشار لحظتها مرافقوه بأنه متّجهاً إلى الجزائر ثم المغرب قصد الإستجمام وأخذ قسطاً من الراحة ودراسة سيناريو فيلمه الجديد.. وما إن حاول الصحافيون إنتزاع تصريح من « شابلن » حتى نادى ربّان السفينة وقائدها القبطان « سيمون » على الجميع للصعود فورا للسفينة لتبحر بعدها باتجاه الجزائر بحدود منتصف النهار والدقيقة العشرون.

شابلن وسر السيد « دوفارجوري »

ابتسم « شابلن » لجموع المعجبين والصحفيين حيث قام بتحيتهم بقبعته، وبحركة خفيفة صعد السلم الذي يقود إلى سفينة عبر ممر خاص بالبريد إذ عادة ما خصصت السفن لإيصال البريد بين الضفتين أيضا، كما حجز « شابلن » والوفد المرافق له جناحاً خاصاً بالشخصيات الهامة.. غرفة مجهزة فضلاً عن تسع حجرات أخرى محاذية لها، وحرص « شابلن » طوال الرحلة بين مارسيليا والجزائر بأن لا يُظهر هويته الحقيقية، حيث أتفق مع ربان السفينة القبطان « سيمون » وطاقمه على القول أن الشخص الوحيد في السفينة والوفد الكبير المرافق له هو الثري السيد « دوفارجوري »  أو السيد « دوفارغو »، لم يكن يودّ أن يتعرف عليه المسافرون في رحلته الجزائرية هذه على أنه « شارلي شابلن- شارلو ».

شابلن في الجزائر

استغرقت رحلة « شابلن » من مارسيليا إلى الضفة الجنوبية للمتوسط يوماً واحداً تقريباً، لترسو السفينة بميناء الجزائر على الساعة الواحدة بعد الظهر متقدمة بساعة ونصف على موعدها السابق المحدّد لها أي الثانية والنصف ظهرا، في جو ربيعي بديع، حظي « شابلن » فور نزوله باستقبال شعبي لم تعهده العاصمة الجزائرية من قبل، حيث إحتشد الآلاف على طول الشوارع المطلّة على الميناء وبمحاذاة المخرج لاسيما في ما كان يعرف بساحة الحكومة إلى غاية البلدية ومحيط المحطة البحرية.

قامت جموع غفيرة من الشباب الجزائري وبغض النظر عن الشخصيات الممثلة للمستعمر الفرنسي، بتحية الشخصية المحبوبة التي عرفت لديهم باسم « شارلو »، حيث إنفكّت صارخة مراراً : »تحيا شارلو!!« ، راح عندها الممثل الفكاهي الذي تجاوز العقد الرابع من العمر بمظهره النحيف والأنيق رغم شعر رأسه الأشيب، يردّ التحية بابتسامة ممتنّة وشاكرة.

رغم أن المحتّل الفرنسي أراد استغلال قدوم الفنان الفكاهي العالمي عبر تنظيم إستقبالا رسمياً خاصاً به، إلاّ أن « شابلن » بدا وهو يضع قدماه على الأرض الجزائرية مهتماً أكثر بمنظر جموع الشباب البسطاء من الجزائريين بداية بصبية صغار بادلوه التحية أمام مدرّج النزول من السفينة، خلّدوا من خلالها هذا الحدث الجلل في صور تذكارية وهو يهمّ بالنزول من على المنصة المؤدّية إلى المحطة البحرية رفقة قبطان السفينة « سيمون » وشقيقه « سيدني شابلن »، إلى جانب مفوض ووكيل أعماله السينمائية « جوليان سميث »، بما في ذلك شخصيات فرنسية منها « جوزيف أليتي » صاحب الفندق الذي نزل فيه « شابلن » . 

حال الجزائر في ثلاثينات القرن الماضي

حلّ « شارلي شابلن » على الجزائر في وقت ووضع خاص، فقد احتفل المستعمر بمئوية الإحتلال عام 1930، وأراد إستغلال الزيارة بطريقة استعراضية بهدف ترسيخ واقع الإحتلال وإخضاع الجزائريين وثوراتهم، وإمتدت الإحتفالات لنصف سنة أو ستة أشهر إبتداءاً من يناير 1930 إلى غاية جويلية من نفس العام، كلّف الحاكم العام « بيير بورد » بالإشراف على التحضيرات التي رُصدت لها ميزانية ضخمة حاول من خلالها إظهار قوّة فرنسا الإستعمارية وترهيب الأهالي الجزائريين.

كان قانون الأهالي « الإنديجينا » لا يزال ساري المفعول بعام 1931، وهو قانون عُرف تحت رقم 10- 680، وتمّ إعتماده في عهد الجمهورية الثالثة وحكومة « جول فيري »، وصُدّق عليه في الثامن والعشرون من شهر جوان عام 1881، منحت من خلاله السلطة الإدارية الاستعمارية إختصاصات وصلاحيات السلطة القضائية، وسقطت بذلك ضمانات حرية الأفراد بحجة المحافظة على السلطة وإقرار النظام، وسُلبت من الجزائريين أراضيهم، وقُنّنت تنقلاتهم داخل بلدهم، كما مكّن هذا القانون الجائر أيضا المعمرين من تملّك الأرض، وتحويل أصحابها إلى خدم حيث ولم يعتبروا مواطنين بل رعايا وحسب.

رغم أن الفترة قد عرفت إخماداً لأكبر وأهم الثورات الشعبية، إلاّ أن مقاومة الجزائريين لم تنطفأ مع ذلك كما كانت عليه مقاومة الطوارق من سنة 1916 إلى 1919 بتاغيت، الهقار، جانت، منطقة ميزاب، ورقلة، بقيادة « الشيخ أمود »، ومقاومة « الحليمية » بجبل « مستاوة » سنة 1914 إلى سنة 1916، وبنفس الجبل بقيادة « عمر بن موسى » بمنطقة الأوراس، حيث شهدت الجزائر حركة نضالية وطنية سياسية وفكرية أبرزت هوية خاصة، فبعد حركة الأمير خالد، ظهر حزب نجم شمال إفريقيا في 1926 بزعامة مصالي الحاج وعودة الدعوة إلى الإستقلال وإلغاء قانون الأهالي واسترجاع الجزائريين أملاكهم، وفي نفس السنة التي زار فيها « شابلن » الجزائر، كانت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين قد تأسّست بالفعل.

أمّا من جهة المستعمر المحتل، فقد دأب هذا الأخير على إثبات تواجده، كانت الجزائر تعيش في عهد الجمهورية الثالثة الفرنسية وحكومة « بيار لافال » والرئيس الراديكالي « غاستون دومبرغ »، وبالجزائر كان هنالك الحاكم العام « جول كارد » Jules Carde الذي خلف « بيار بورداس » Pierre Bordes نهاية سنة 1930، فيما كان يترأس بلدية الجزائر « شارل برونيل »Charles Brunel .. قُدّر تعداد سكان الجزائر العاصمة وفق الإحصاء الذي تمّ القيام به في بداية 1931 حوالي 246.061 نسمة، 169.257 أوروبياً من بينهم و76.804 من الجزائريين الذين سمّيوا « بالأهالي » من طرف المستعمر، كما كشفت الإحصائيات الزيادة الكبيرة في تلك الفترة لتعداد الجزائريين بما يعادل 21.533 نسمة مقابل 9.608 من الأوروبيين، ولعل الحضور الكبير للجزائريين عند استقبال « شارلي شابلن » كان ملفتا وهو واقع لم يستطع حتى الإعلام الفرنسي آنذاك طمسه وإخفائه.

لغز الراقصة التشيكية « ماي ريفز »

أماطت رحلة « شارلي شابلن » إلى الجزائر اللثام عن علاقة غرامية جديدة للممثل الفكاهي، بعد انفصاله عن زوجته الثانية « ليتا غراي » عام 1927، فقد تعلق « شابلن » براقصة تشيكية تدعى « ماي ريفز »، أخذت حيزاً كبيراً في حياته ولازمته لفترة.. أصرّ « شابلن » على أن تصحبه في رحلته إلى الجزائر رغم الاعتراضات التي أبداها بالأخص شقيقه « سيدني » الذي بدا منزعجاً جداً من المكانة التي إحتلتها « ماي ريفز » في قلب « شارلو ».. ومع الحظوة والمكانة التي أضحت تمتلكهما « ريفز » في حياة « شابلن » وتغيّر سلوكه وطباعه بسببها، أصبح « سيدني شارلي » الذي لا طالما كان قريباً من أخيه يشعر بالخطر إزاء مصالحه ومكانته عند شقيقه، حتى أنه خشي على نفسه بأن يكون غير قادر على حماية علاقته مع تشارلي لفترة طويلة.. ضاق « شابلن » ذرعاً من ملاحظات شقيقه ومن « ميني » زوجة سيدني خاصة، وهو الأمر الذي أدّى به إلى الإسراع بالسفر إلى الجزائر في الرابع عشر من أبريل، قادماً من نيس إلى مرسيليا.

ظلّ التوتر قائماً بين « شارلي شابلن » وشقيقه، وذكر « كارلاليل روبنسون » على أن « سيدني » ثارت ثائرته من شقيقه « شارلي » لأنه تمسك بـ « ماي ريفز »، وقال أن الظهور معها علنًا في كثير من الأحيان وبشكل حصري يسبب الإحراج لشقيقه.. كان « شابلن » يعيش حالة فراغ عاطفي بعد انفصاله الصعب عن زوجته الثانية « غراي »، وكان حدث الانفصال حينها أكبر قضية طلاق في الولايات المتحدة، حيث طلبت طليقته تسوية قضائية بلغت أكثر من 600 ألف دولار لها و100 ألف دولار لكل واحد من طفليهما.

شكّل هذا الطلاق لشابلن صدمة قوية زادته شكوى أخرى تضمّنت علاقاته النسائية المتعدّدة، كما كان شقيقه « سيدني » يعاني هو الآخر من عدم الإستقرار الأسري في حياته وخلافاته الكثيرة مع زوجته « ميني » أيضا.. روى « روبنسون »، أن هذا الأمر لم يكن بالمهم عند زوجة « سيدني » ولا يهم أيضا أن تعرف هذه الحقيقة، فهي غاضبة بأي حال على الدوام لسبب وبدونه، ومع ذلك، كان « شارلي » يزداد عناداً وإصراراً كلما إزداد اللوم والعتاب بخصوص علاقته مع « ريفز »، ولم تفضي سوى إلى تأجج عواطفه تجاهها، وعلى الرغم من إستياء كلّا من « روبنسون »، « سيدني » و »ميني » وعدم رضاهم إلاّ أن « شارلي » لم يتنازل عند رغباتهم بالنسبة لرحلته الموعودة إلى الجزائر، ولكي يخفف من حدة التوتر أرتضى أن تقوم « ماي ريفز » بالسفر على متن سفينة ثانية تبحر بعد بضع ساعات على موعد إنطلاق سفينة « لاموريسيار ».

بدأ « سيدني » بالمقابل وفور وصوله إلى الجزائر، في رأب الصدع في علاقاته مع شقيقه، من خلال التركيز بالمقام الأول على المصالح المالية؛ حيث تمكّن من إقناع « شارلي » بأنه لم يقم بتسويق فيلم « أضواء المدينة » بشكل جيد، ولم يحصل على نفس القدر من الأرباح من الفيلم في مناطق معينة كما يجب.

لم يكن « سيدني » ليقبل بعلاقة « شارلي » بـ « ريفز » التي ظلت ملازمة له طوال رحلته الجزائرية، فقد كان « شارلي » آنذاك يجهل أن شقيقه قد تعرف على الراقصة التشيكية « ماي ريفز » هذه في إحدى « كازينوهات غولد » بالولايات المتحدة قبل وصول « شابلن » إلى هناك، في وقت كانت « ميني » زوجة « سيدني » تلح على أن « شارلي » قد يفقد سمعته وثروته بمرافقة إمرأة ليست من مستواه.. باح « سيدني » أثناءها بسرّه لـ « روبنسون » من أجل أن يكسر طوق العلاقة القائمة بين « شارلي » و »ريفز »، حيث أفشى علاقته بهذه الأخيرة وأنهما كانا عاشقين من قبل.

كان ذلك السر سببًا في إحداث شرخاً كبيراً وصعب إصلاحه، رغم أن « روبنسون » لم يكن ينوي البوح عن ما كان يخفيه « سيدني »، إلاّ أن فشله في ردع « شابلن » عن الإرتباط بـ « ريفز » جعله يكشفها وهو ما كلّفه مكانته كعميل دعاية لـ « شارلي شابلن » التي احتفظ بها لمدة أربعة عشر عامًا.. بات سخط « شارلي » يضاهي غضب « سيدني »، عندما علم هذا الأخير بأن سرّه قد أُفشي، أبتهج بخبر الإنفصال، وغدا « شاحبًا وغاضبًا » وهو يسمع عن الكيفية التي وقع بها الانفصال، وهو نفس الإنفعال الذي حصل عندما أنهى « شارلي » عملياً تعاونه مع « روبنسون » الذي عاد بدوره إلى نيويورك.

باخرة لاموسيار التي اقلت شابلن الى الجزائر

رأي شابلن في الجزائر

عبر « شارلي سبنسر شابلن » عن رؤيته وانطباعه عن الجزائر في جزء من مذكّراته التي خصّصها لأسفاره حملت عنوان: « جولتي حول العالم »، كتب « شابلن » ما يلي: « إن كلمة « الجزائر » تختزل في طياتها شيئاً من الرومانسية يحفّز مخيّلتي؛ إنّها صوراً للوحات ترتسم بداخلي ترمز إلى القبائل المسلمة، أين يرتدي أفرادها ملابس وعباءات مرنة خفيفة وملونة.. إنني بالفعل أكنّ احتراماً عميقاً وكبيراً تجاه نمط عيشهم وأسلوب حياتهم التي تختلف عنّا نحن ضحايا الصناعة، هؤلاء أبناء « عمر الخيام » يمتلكون المعنى الفعلي والحقيقي للحياة، بجمالهم التي يمتطونها وعراجين تمورهم.. أصبحت الجزائر العاصمة بفضل مناخها المعتدل، – يواصل « شابلن »-، واحدة من أكثر المقاصد السياحية المفضّلة للإستجمام والراحة بالنسبة لأولئك الذين يرغبون في الهروب من الشتاء الأوروبي القاسي ».. ويستطرد قائلا: « عند دخولك مينائها تترأى أمامك المدينة، مع أسطحها وشرفاتها البيضاء الرائعة، ونوافذها العديدة التي تعكس إشراق الشمس الأفريقية المتوهّجة خلف التلال الخضراء، والتي تشبه عقداً من اللآلئ داخل علبة من الزمرد ».. ويصف « شابلن » الجزائري بقوله: « إن ذلك الإنسان العربي الذي ألهمته فلسفة عمر الخيام، لهو أيضاً من  كبار الهواة المعجبين بالسينما، والدليل على ذلك أولئك الآلاف الذين اصطفوا على الطريق المؤدّي إلى مدخل فندقي ».

كما لفت إنتباه « شابلن » الجزء الأوربي للجزائر العاصمة ورأى أنه يشبه إلى حد كبير أي مدينة فرنسية، ذلك بغض النظر عن ذاك الحشد الكبير من السكان الأهالي الذين يرتدون أزياءهم التقليدية.. « إذ يمكن للمرء.. – يضيف -، أن يخال نفسه بمدينة إسبانية أو فرنسية على ساحل البحر الأبيض المتوسط ».. وما يلبث أن يعود ليعبر عن إعجابه بالأحياء العتيقة للمحروسة قائلاً: « غير أن الحي العربي للجزائر العاصمة يظل أكثر جاذبية ودهشة، ويتعين لزيارته الترجّل من السيارة وتركها عند سفح التلة.. حيث يتواجد إنطلاقا من هنالك مرشداً محليّاً يقودك عبر الشوارع المتعرجة والضيقة أين تقابل الحرفيين هناك الذين يعملون بنفس الطريقة – البدائية – كما  كانوا يفعلون منذ قرون عدة مضت.. كنّا نتجول بين أزقة الشوارع التي تصطف على جانبيها أكواخاً غريبة وبيوتاً صغيرة تتخللها زوايا مظلمة تفضي وتؤدي في بعض الأحيان إلى ساحة صغيرة أو بالأحرى حيزا هو عبارة عن حصن أو درع يسيطر على المدينة بأكملها وصولاً إلى البحر في الأسفل ».

« إنّ المواقع التاريخية كثيرة في الجزائر، – يواصل « شابلن » وصفه للمحروسة الجزائر-، فمن بينها قبر الرومية، وهي المقبرة المفترضة لكليوباترا سيلين، ابنة كليوباترا مصر ومارك أنطوان.. غير أنه ولسوء الحظ لا يمكنني زيارة المكان، بسبب أفواج البشر التي تتبعني ».

روى « شابلن » حادثة صادفته في الجزائر بإحدى الجولات التي قادته في شوارعها يقول عنها: « إحتشد الناس من حولي في أحد الأيام بينما كنت أتسوق، إلى حدّ أن زجاج واجهة احدى المحلات تحطّم بأكمله بفعل التدافع الكبير، ممّا أجبر الشرطة إلى التدخل على الفور ».. كما أشار بشأن زيارته الجزائر بالقول: « أود أن أغتنم فرصة إقامتي هذه في الجزائر لأقوم برحلات جمّة في شمال إفريقيا، لكن الموسم شارف على الإنتهاء، وبدأت الفنادق تغلق أبوابها، وعليه عليّ العودة إلى جنوب فرنسا لفترة، حيث سأزور « فرانك هاريس » الذي يعيش في مدينة نيس ». (« فرانك هاريس » المشار إليه هنا هو أمريكي من أصل ايرلندي، كان مؤلفاً وصحفياً ومدير نشر من أصدقاء « شابلن ». توفي بعام 1931).

هدية شابلن خلال زيارته الجزائر

لم يشأ « شابلن » أن يأتي إلى الجزائر خالي الوفاض، فقد فكّر في هدية مختلفة تمثّلت في عرض استثنائي لآخر أفلامه الصامتة « أضواء في المدينة » Lumières de la Ville الذي يعدّ أول أفلامه الخاصة، تدرج فيه آثار صوتية مع الموسيقى.. شكّل عرضه الأول في الجزائر على غرار أكبر العواصم العالمية حدثاً مهماً آنذاك وقد تمّ عرض الفيلم في قاعة سينما « سبلونديد » المعروفة بدنيا زاد بشارع قسنطينة (عبان رمضان حاليا)، تمّت فيه برمجة حصتين الأولى على الساعة الرابعة مساءاً، والثانية على التاسعة، وظل الفيلم يُعرض طوال إقامة « شابلن » في الجزائر، عرف خلالها إقبالاً كبيراً من طرف الجمهور.

شابلن وغجرية الجزائر

لم ينته الحديث عن زيارة شابلن للجزائر بمغادرته ميناء العاصمة بالخامس والعشرون من أبريل على متن سفينة « لاموريسيار » ذاتها باتجاه ميناء مرسيليا، بل تواصل على خلفية ما تداول عن علاقة خاصة وصفت بالغريبة جمعته بإمرأة غجرية من الجزائر تدعى « ماري ر »، أصر « شابلن » على مصاحبتها بعد أن فُتن بها، حيث لازمته خلال إقامته في فرنسا بعد عودته من الجزائر.

بات الكثير يتساءلون عن من تكون هذه الغجرية التي باتت تحاط بعناية خاصة من قبل الممثل العالمي،وأثير إحتمال إرتباطه بهذه المرأة الفاتنة ذات الشعر المصفّف الطويل التي صحبته من الجزائر، والذي قام بنفسه بإختيار ملابسها البسيطة، هذه الغجرية ظلّت تجالسه صامتة على طاولات الطعام، بملامح سعادة كبيرة بادية على محياها منسجمة تماما برفقته، وهو الذي يعدّ ابنا لإحدى النساء الغجريات في الماضي.

الجزائر وجهة جديدة لأفلام « شارلو » 

رغم أن جولة « شابلن » إلى الجزائر كانت للراحة والإستجمام وعرض فيلمه الأخير « أضواء في المدينة » الذي أخرجه هو، إلاّ أن فكرة أن تكون الجزائر نقطة لإنتاج فيلمه الجديد قد خطرت بباله.. فقد صرّح بعد وصوله إلى العاصمة الجزائرية ردًّا على أسئلة الصحفيين الذين ألحّوا عليه بالتعليق في ندوة عقدها بفندق « أليتي »، قائلا: « هذا الإحتمال ليس بالمستحيل تحقيقه ».

ظلت الجزائر ولفترة محل إهتمام « شابلن »، فقد أحبّها كثيراً.. كما بقيت فكرة تصوير فيلم جديد على أرضها تراوده بعد عودته من رحلته وإلغائه زيارة اليابان، كما شهد على ذلك « آلف ريفز »، مدير استوديوهاته ومدير أعماله، الذي كشف عن سيناريو فيلم تدور أحداثه في الجزائر يتقمّص فيه « شابلن » دور شيخ عربي يريد أن يبادل ثلوج منطقة « كلانديك » بشمال كندا برمال الجزائر الساخنة ليمنح في عملية مقايضة بعضا من الجو المنعش في قالب هزلي ومضحك.. غير أن مشروع هذا الفيلم لم يتمّ، وتغيّر ليقع الإختيارعلى بريطانيا كوجهة لفيلم جديد عنوانه « لندن ».

وصل إعجاب « شابلن » بالجزائر بعد ذلك إلى التفكير في جعلها منطلقاً لإنتاج أفلامه برمّتها، ونجد هذه المعلومة مكتوبة بقلم الصحفي الأمريكي Oviatt McConell في مقال بصحيفة New York World Telegram ، صدر بشهر مايو من عام 1931 تحت عنوان: « شابلن بثروة تبلغ خمسة ملايين دولار سوف يتخلى عن هوليوود من أجل الجزائر ».. كما استند المقال، على تصريحات « كارلايل روبنسون » سكرتير « شابلن » وممثله الشخصي ووكيله الصحفي بفندق « تافت » Taft، بأن « شابلن » يستعد الآن لبدء تصوير مشاهده الجديدة بالجزائر، لقد سئم من هوليوود وليس لديه أي خطط للتقاعد الآن ».

وهو نفس الأمر الذي كشفه المراسل الصحفي « ريتشارد ماكميلان »، الذي اشتهر لاحقا كونه أحد أبرز مراسلي الحروب بالحرب العالمية الثانية، في كتاب له بعنوان: « عشرون ملائكة فوق روم: قصة سقوط إيطاليا الفاشية »، بالقول أن « شابلن » زار مدينة بوسعادة برفقة « ريكس اينغرام »، وألتقى بـ « ريجينالد اينغرام مونتغومري هيتشكوك » المخرج الأمريكي ذو الأصول الإيرلندية، حيث إقترح عليه، أي ماكميلان، لعب أحد الأدوار في فيلم جاري التصوير، وأضاف: « جاء شابلن وريكس إنجرام في زيارة لبوسعادة وقرّرا أنه يمكنني لعب دور الصبيّ الصغير لذلك عدت معهم إلى الولايات، كنت قد تعلّمت فيها اللغة الإنجليزية في ثمانية عشر شهرًا، لكني أفضّل الصحراء عن هوليوود وقد عدت مرة أخرى لإستخدام لغتي الإنجليزية لكسب لقمة عيشي ».

في السياق أيضا حول مشاريع « شابلن » بالجزائر، كتبت « الدايلي كرونيكل » في أبريل عام 1931 عن نية « شابلن » بنقل معدّات وتجهيزات الأستوديو الخاص به في هوليود إلى الجزائر، حسب ما جاء على لسان وكيل أعماله وممثله « شارل روبينسون » لصناعة الأفلام في الضفة المقابلة للأطلسي، كما أشارت الصحيفة التي إستندت إليها « ليكو دالجي » على أنه قرّر إنتاج فيلمه الجديد بالجزائر، ولهذا الغرض غادر ممثله « روبينسون » انجلترا متّجها إلى الولايات المتحدة في مهمة من أجل دراسة امكانية نقل استوديو « شابلن » الخاص بأكمله بهوليود إلى الجهة المقابلة من المحيط الأطلسي.

جولات شارلو في قلب الجزائر

ما لبث أن وصل « شارلي شابلن » إلى الجزائر العاصمة، حتى أغرم بالمدينة وجوّها الجميل ومنظرها، ظلّ لفترة يتفاعل مع جموعها الغفيرة التي جاءت لإستقباله من مناطق وأحياء عدة.. أطلّ فور التحاقه بفندق « أليتي » (السفير حاليا الذي بني بعام 1930)، وبعد لقاء قصير مع الصحفيين والتحاقه بالجناح المخصص له، أطل من نافذة غرفته الواقعة في الطابق الثاني من الفندق، ليلقي بالتحية على الجماهير التي غصّت بها شوارع « فايس » التي أضحت تسمى شارع عميروش وشارع « قسنطينة » إلى جانب نهج « بوجو ».. نبعت إطلالته تلك من الشعور بالعرفان رغم التعب والإرهاق، ليعود بعد فترة إلى الغرفة لأخذ قسطاً من الراحة.. كما لم ينسى من أن يترك كلمة شكر على الكتاب الذهبي للفندق تعبيراً عن إمتنانه، تضمنت عبارة: « أشكر سكان الجزائر العاصمة على الترحيب الحار الذي أحاطوني به »، وقد كتبها بالفرنسية.

كان على « شابلن » ومرافقيه التنقّل بعد ذلك إلى مكان بعيد نوعا ما عن العاصمة لتناول وجبة العشاء، كان ذلك في مطعم فندق « جدول مياه القردة »Ruisseau des singes ، المكان السحري الذي طالما استقطب العديد من الشخصيات الكبيرة وتغنى به عدد من المشاهير، كان السياح القادمين ضمن جولات ترفيهية عبر البحر إلى جانب حي القصبة العتيق يتوجهون إليه، إرتاده سبق امبراطور فرنسا نابوليون الثالث في الثالث عشر من شهر مايو عام 1865 عائداً في طريقه من مدينة المدية، وتغنى الكاتب الفرنسي « غي دوموباسون » بجمال المكان، ولاحقا اختار المغني « جون كلود بريالي » الذي سحره المكان كثيراً، تسمية مذكراته باسمه « جدول مياه القرود » تيمّنا به.. هناك بذلك المكان الخلاب والذي فتن الممثل العالمي أقيمت حفلة عشاء على شرفه، أين تقاطعت فيه مناظر الجبال الشاهقة وخرير مياه « واد الشفة » الذي تعيش فيه     ولا تزال قرود الماغو.. كانت هذه أولى فسحات « شابلن » التي قام بها، تلاتها زيارات أخرى رسمية، غير أن « شابلن » سعى بنفسه إلى برمجة نزهات خاصة به لوحده، خالية من البروتوكولات من أجل إكتشاف المدينة والبلاد دون حواجز رسمية، خاصة وأنه بدا منزعجاً من المرافقة الكبيرة واللصيقة التي تلتف حوله كلما تنقّل خارجاً.

نزهات ليلية وزيارة حي القصبة رفقة الآنسة ريفز

روت الآنسة »ريفز » في مذكّراتها عن درجة سعادة « شابلن » بزيارته الجزائر ورؤية المدينة برفقتها، ففي كل مرة كان « شابلن » يخرج من فندق « أليتي »، إعتاد فيها أن يتوقف أمام نوافذ متجر أجهزة التدفئة الموجود بالقرب من الفندق.. كما كتبت في مذكراتها أيضاً عن تفاصيل النزهات التي قام بها « شارلي شابلن » في العاصمة، وترجّله بحي القصبة وبعض الأحياء العتيقة، حيث أنه فضّل المشي ليلاً لرؤية المدينة دون الحاجة إلى إجراءات لذلك.. تقول ريفز: « وصلت إلى الجزائر متعبة، كنت لا أزال مرهقة جدًا من عناء الرحلة، بينما بدا « شابلن » مشعاًّ، حيويًّا ومبتهجاً، عانقتي بشغف، استحميت، وارتديت لباس سهرة من أجل حضور الحفلة التي أُقيمت على شرفه بفندق « أليتي » الكبير، أين دُعيَت فيها ملكات جمال أوروبا، كان موضوع الحفلة الذي أختير في الأساس هو « السهرة على متن يخت بحري »، بحيث ارتدت جميع النسوة سراويل وقبعات كتلك التي يرتديها البحارة.. وبعد مرور نحو الساعة أمضيناها هناك، همس « شابلن » بأذني: ستأتي سكرتيرتي لتبحث عنك، وترافقك إلى غرفتك، سأتبعك في غضون ربع ساعة، وبهذا لن يلاحظ أحد غيابنا.. وقد توسلت إليه إحدى ملكات الجمال عدة مرات لكي يرقص معها، غير أنه أجابها: أنا أرقص فقط مع ماي ريفز!« .

على أنغام موسيقي التانغو، تناول « شابلن » في صباح اليوم التالي السادس عشر من أبريل 1931، الفطور رفقة « ماي ريفز » بمطعم الفندق، لم يتردد بدعوة رفيقته للرقص، وقد تعثرت وفقدت حذائها، ليهمز لها بالقول: « عندما أسمع لحن رقصة التانغو، أفكر دائمًا فيك.. هذا النغم العذب الناعم والحزين، إنه في الحقيقة أنت! ».. ثم أخذ يمازحها، ينظر اليها متمعّناً بعمق: « يا له من وجه غريب بالنسبة لإمرأة من وسط أوروبا، فأنا أخاله وجها بملامح عربية أو شرقية، إنني أرغب في كتابة سيناريو فيلم من أجلك تؤدّين فيه دور فتاة عربية صغيرة، أوه!.. فأنا أستطيع الآن أن أرى مدى جودة تمثيلك، وكيف ستبرعين في تأديته حقّاً! ».. ومن ثمّ أطلعها عن مشاريعه معها في هوليوود فور إنتهاء رحلته في أوروبا.. بيد أن الأقدار شاءت أن تنتهي علاقتهما سريعاً بوقت قصير من مغادرتهما الجزائر.

إعتاد « شابلن » التأمّل كثيراً في مجسّم بيت مصغّر يحوي جميع وسائل الراحة والغرف الأنيقة، حيث عمد العارضون بوضع دمى صغيرة بجميع الغرف وحتى بالمطبخ.. كان « شابلن » دائماً يحصي جيداً محتويات المنزل، ولم يكن ينسى أدق تفاصيلها بما في ذلك الميزان الموضوع فوق طاولة المطبخ، لطالما كان التساؤل الذي راود « ريفز » مراراً هو السبب الذي يجعل « شابلن » منجذباً دوما إلى هذا المجسّم الصغير والجميل، وهل كان ذلك ينم عن رغبة لديه بإمتلاك مثل هذه المنازل الفخمة، بعد معانته في طفولته وتحوّله إلى ممثل شهير ذائع الصيت، ذو ثروة وجاه؟.

بدا « شابلن » في آخر مرة وقف فيها أمام واجهة المحل كمثل ذاك الصبّي الفقير الذي لم يكن يمتلك أي لعبة، ليخرج عن صمته معبّراً عن ما يختلج في صدره قائلاً: « لو حدث وأن فقدت كل شيء في يوم من الأيام ولم أستطع صنع الأفلام، فسأصنع ألعاب الأطفال لا محالة.. فأنا عندما كنت طفلاً، صنعت قوارب صغيرة من أوراق الصحف، وقمت ببيعها للمارة حتى لا أموت جوعا ».

لاحظت « ريفز » تكرار »شابلن » لتساؤلات اشتدت عليه، وكأنها هواجس تلازمه حيث ظل يقول دائماً: « ماذا لو خسرت يوماً كل ما أملك؟ ».. وكأنه كان يخشى كثيراً من فكرة عودته إلى حالة العوز والشقاء أيام طفولته، لذا لطالما تساءلت عن ذلك الفقر والحرمان اللذان يجعلان رفيقها دائم التخوّف إلى حدّ الهوس من العودة إليهما.

تسوّق وزيارة قلب المدينة العتيقة

كان يوم السادس عشر من أبريل اليوم الموالي لوصول « شابلن » إلى الجزائر، وقد صادف عيد ميلاده الثاني والأربعين، يوم مميز حيث عزم على التنزّه بقلب العاصمة والتمتّع بسحر الأحياء العتيقة التي لطالما عبّر عن انبهاره بها وبتفاصيل أمكنتها.. جال بداية عبر شارع طنجة، ثم عرج على القصبة رفقة الأنسة « ماي ريفز »، إستعان بشابين جزائريين إختارهما كمرشدين له، فيما اعتبر القصبة متاهة ساحرة تقول « ريفز » في مذكراتها.

وإذا كان « شابلن » قد فُتن مراراً كما ذكر بمناظر المدينة، إلاّ أنه كان على الدوام منزعجاً من جمع الحشود التي لم تكن تفارقه في كل نزهة يقوم بها، إلى درجة أنه اهتدى إلى فكرة الخروج ليلاً تفادياً للمضايقات، وبالرغم من رحابة صدره أحياناً، إلاّ أنه عبّر على الدوام من إمتعاضه جراء الضغط الذي يواجهه عند كل ظهور له، وبدا تذمّره ذاك واضحا على ملامح وجهه في أحيان كثيرة.

توجّه « شابلن » بعد ظهر نفس اليوم الذي زار فيه القصبة والأحياء الشعبية برفقة « ريفز » إلى البازار، ذلك السوق الشعبي الذي نال كثيراً من دهشتيهما، حيث إمتزجت النكهات مع الروائح العطرة المتعددة، ومناظر صانعي الأحذية التقليدية وصور رفوف النعال متعددة الألوان التي أدخلت السرور إلى قلب « شابلن ».. فقد كانت رائحة دهن لحم الضأن الزنخ المحفوظ بالملح عادة، الكسكس وماء الورد، مع عبق رائحة القرنفل والزيت والعطور الشرقية، تعمّ المكان، وبالإمكان شمّها حيث كانت تباع جميعها بالشوارع وعلى قارعة الطريق.. لقد كان هناك عدداً غير متناهي من المتاجر التي تعرض المنسوجات والتحف للبيع، إنجذب « شابلن » نحو جبّة زرقاء سماوية اللون مطرّزة بخيوط ذهبية، فما كان عليه الا أن دخل المحل برفقة الآنسة « ريفز » التي كانت تساوم على مجموعة كبيرة من الفساتين التقليدية وكذا السلاسل وتسأل عن سعرها.. أجابه التاجر بعفوية بأن ثمنها  » ألف فرنك ».. ليردّ « شابلن » متعجّباً بالمثل: « قلت ألف فرنك؟ ».. وبنبرة متأسفة واصل قوله: « هذا يفوق إمكانياتي!« .

كان « شابلن » يرمق بنظره رجالاً وهم يجرّبون عقداً أسوداً مصنوعاً من الطين الممزوج بالمسك والأعشاب الناعمة، ينتهي بنجمة سوداء كبيرة وقلادة مزيّنة بترصيعات صغيرة، عبّر عن إنبهاره بها بقوله: « كم هي رائعة وبهّية!« .. ليخبره التاجر على الفور: « ثمنها مائة فرنك »، غير أن « شابلن » وبحركة سريعة نزع القلادة وأرجعها إلى مكانها، واعداً البائع المتلهّف بالعودة لاحقاً، دافعاً في نفس الوقت برفيقته إلى خارج المحل.. همس من ثمّ لها بعد خروجهما مازحاً: « إنّ هذه القلادة عديمة القيمة، دعينا نمضي قدماً، ففي الواقع لو نظرنا إليها بتمعّن عن كثب فهي ليست بذلك الرونق على الإطلاق، وسوف نتعب ونسأم منها سريعا!« .

شملت نزهة « شابلن » تلك أيضا محلات خاصة مثل « بيت زاغا » Maison Zagha والتي اشتهرت بسجّادها التقليدي الذي أبهره، إلى جانب الحليّ والمنتجات المصنوعة يدوياً.

لم تقتصر نزهات « شابلن » على قلب العاصمة والأحياء العتيقة فحسب، بل تعدّتها إلى ضواحي المدينة وحتى أبعد من ذلك نحو الجنوب.. حيث روت الآنسة « ريفز » عن رحلتها الطويلة على متن سيارة خاصة استغرقت لساعات، إجتازت بهم مناطق نائية، كما أنها تسلّقت ثم نزلت من جبل مهجور، إجتازت فيه طرقاً ومعابراً لم يكن بإمكان المرء أن يرى  فيها سوى الحجارة والرمال الحمراء.. بدا « شابلن » حينها في مزاج سيء بالرغم من أنه كان يتحدث مع السائق ويمازحه بالقول: « تمهل!.. انتظر!.. هل لمضيفة هذا النُزل أنفاً ملتوية يا ترى؟ ».. لتندلع في هذه الرحلة فقط بدقائق قليلة قبيل وصولهما إلى الوجهة المنشودة، مشاجرة بين « شابلن » والآنسة « ريفز » إلى درجة أنها أبكت هذه الأخيرة طويلاً، كانت رحلة العودة تلك طويلة من وجهتهما بعمق الجزائر، حيث ظلّ « شابلن » يردّد على مرأى ومسمع من سائق السيارة: « أنت إذاً لا تريدين إنجاب الأطفال!« .. لتجيبه: « حسناً لاحقًا يا شارلي!.. يجب أن ننتظر قليلاً ».

لم يكن ردها مقنعا بالنسبة « شابلن »، فأجابها هو بردّة فعل عنيفة للغاية قائلاً: « انتظري!..أنت شيء صغير تافه مختال.. إنك مرتعبة من أن تخسري مظهر جسدك هذا!« .. إنتابت « شابلن » عندها نوبات غضب راح يوبّخها بقسوة التي ظلت طوال طريق العودة إلى الجزائر العاصمة تبكي بحرقة.. إعترفت « ريفز » قائلة: « لم أعد قادرة على التحكم في نفسي، بدأت في التنهّد بشدة والبكاء، ثم هدأ « شابلن »، لكنه تركني أذرف الدموع لفترة طويلة قبل أن يتلفظ بكلمات لمواساتي ومصالحتي، أظنه قد شعر بالنشوة في رؤيته دموعي تنهمر، لقد اعتبرها بمثابة انتصاراً له.. أخيرًا جذبني ليضمّني بين ذراعيه، ويقول لي: أيتها الفتاة الصغيرة، أردت فقط أن أرى ما إذا كان لدي أي قوة تأثير عليك، إذا كان بإمكاني التسبب لك في الألم وإبكاءك، فقد كلفني ذلك الكثير لإيذائك لكن حزنك كان مؤثرًا للغاية عليّ!.. كانت رقبتك الصغيرة المسكينة تبدو حزينة جدًا وأنت تنظرين أمامك، لكن الأمر قد إنتهى الآن.. أليس كذلك؟ ».

إنسانية شابلن وحسابات المعمرين التي ضايقته

أُقترح على « شابلن » عند وصوله العاصمة الجزائر وفي أعقاب لقائه مع الصحافة بفندق « أليتي »، إستضافة لقاء خاص بعشرة آلف من التلاميذ من مختلف المدارس، وتنظّيم حفلاً خاصاً من تنشيط شخصية « شارلو » حتى تظلّ ذكرى جميلة بالنسبة لذلك الطفل الذي عانى كثيراً في أكواخ « ويتشابل »، أي المنطقة الواقعة بحي »تاور هامليتس » في الطرف الشرقي من لندن والتي كانت لفترة طويلة من بين الأحياء الفقيرة التي تعيش فيها الطبقة العاملة.. قَبل « شابلن » بكل سرور هذا الإقتراح، حيث أنه أراد من أطفال الجزائر بما فيهم المهمشين الفقراء مشاهدته أمامهم، كان من المفترض أن تتمّ تلك الحفلة يوم الأحد بالتاسع عشر من أبريل عام 1931.

حضرت مجموعة من الصبية قبل يوم من ذلك، إلى « الكازينو البلدي » وهو جزء من فندق « أليتي ».. تقدم أحدهم لم يبلغ العاشرة من عمره كممثلاً عن زملائه، مناشداً باسمهم مقابلة « شابلن »، فما كان من هذا الأخير سوى أن يقبل الدعوة ليلتقي هذا المندوب الصغير بإبتسامة كبيرة والتأثّر بادياً على وجهه، عندما ظل الولد يشرح له رغبة زملائه بأن يخصّص لهم على الأقل أمسية خاصة بهم، لدرجة أن الأمر بلغ حدّ التوسّل.

إستجاب « شابلن » مبدئياً لطلب الصغار، بالرغم من برنامجه المكثف فقد كان يستعد للذهاب إلى الجنوب في زيارة لمدينة بوسعادة حيث خصّص له مكاناً خاصاً مع ديكوراً استثنائياً يشبه في تصميمه تلك الحفلة التي أقيمت على شرف « شابلن » بعد وصوله إلى القاعة الكبرى الخاصة بالكازينو التابع للفندق.

كان هذا الكازينو يقع في الجانب المطل على الواجهة البحرية والميناء بين شارع « ألفريد لولوش » ونهج « كارنو » الذي كان يوصل بين ساحة الجمهورية أو ساحة « أريستيد بريان » في بدايته وساحة « غوينمار » في منتهاه، أين تقع قاعة سينما « كوليزي » (الموقار حاليا)، بينما أخذت الشوارع اسم « عسلة حسين » ونهج الشهيد « مصطفى بن بولعيد ».

بيد أن ما حصل بعد ذلك ضايق « شابلن » كثيراً على ما يبدو، حين عمد المنظمون بمعية صاحب الفندق أليتي لإختيار حصرياً أبناء الوجهاء والأكابر كمرشحين لحضور لقاء الممثل الفكاهي.. إعتذر « شابلن » بلياقة عن حضور الحفل المخصّص لأولئك « المحظوظين » الصغار، متحجّجاً بإصابته بالزكام وبالتالي يتعذّر عليه لقائهم، كان قد عاد منهكاً من سفره من بوسعادة، وكان ذلك الحفل الذي عكف على تحضيره جوزيف أليتي صاحب الفندق مقرّراً يوم الأحد التاسع عشر من أبريل عام 1931.

بالرغم من أن رحلة بوسعادة كانت تمثل حدثاً في حد ذاته لكونها تزامنت مع الإحتفالات الخاصة بالمدينة والتي كانت مقرّرة طيلة أيام الثامن والتاسع عشر والعشرون من أبريل 1931، إلاّ أنها لم تدم طويلاً ولم تحظى بنفس الصخب الذي لقيته زيارته للعاصمة.

بدا أن « شابلن » كان يفضل أن تطبع زيارته الخصوصية بعيدا عن التحضيرات التي تمّت لإستقباله برعاية لجنة حفلات خاصة تضمنت برنامجاً غنيّاً شمل إستعراضاً خاصاً للفانتازيا مع أشهر فرق الغناء والرقص النايلي الفلكلوري، وأخرى مراسيم استقبال كان سيقوم بها فوج المشاة الخامس.

مغادرة الجزائر

لم تدم إقامة « شابلن » في الجزائر كما قرّر لها، فقد ألغى من برنامجه معظم الرحلات المدرجة سواء بداخل الجزائر أو خارجها نحو الجوار التونسي والمغربي، حيث قرّر « شابلن » العودة على مساره إلى فرنسا ثم إلى نيويورك لمباشرة التحضير لفيلمه الجديد.

رحل « شابلن » عن الجزائر يوم السبت الخامس والعشرين من نفس شهر أبريل عام 1931، بأقل ضجّة كتلك التي قدم إليها ووصل بها، إختار سفينة « لاموريسيار » مجدداً للإبحار والعودة إلى ميناء مرسيليا الذي بلغه يوم الأحد السادس والعشرين بحدود الثالثة والنصف ظهراً.

ظهر هناك مرهقاً، يشكو آلآما بالظهر.. لينزل بفندق بجادة « نواي »Noailles ، بشارع عتيق في منطقة حيوية تقع بقلب الشوارع الضيقة والتجارية لمارسيليا، أين وجد « شابلن » ضالته.. لم يمر على وصوله إلى ذلك للفندق برهة حتى تجمهر المصوّرون والصحفيون بأسئلتهم الكثيرة، حيث سمحت بعضها لـ « شابلن » أن يعبّر مجدداً عن انبهاره الكبير بالجزائر، وإعلان عودته قريباً إلى مقرّه بنيويورك بعد أيام سيقضيها في مدينة « نيس »، لتنتهي هنا أخيراً أخبار رحلته الجزائرية الفريدة تلك.

——————————————————————————————-

للموضوع مراجع.