سيدي بوجملين:
نسائم البركة والتقوى

حاج موسى شهيرة

لم تمنعنا  الحرارة الشديدة  التي تعرفها منطقة  المسيلة، والتي تنام على تاريخ زاخر وحافل بالانجازات والأحداث وأساطير تشبه تلك التي كنا نسمعها في الصغر فنصدقها وننام على وقعها، إنها مدينة زاوية بوجملين والعديد من الزوايا الدينية، فهي مدينة يغطي أديم أرضها أطياف رجال الدين والمشايخ والأولياء الصالحين الذين طافوا المنطقة، وحتى النساء كن يقمن على خدمة الدين والمجتمع آنذاك.

« سيدي بوجملين الغوث » سيد مسيلة وواليها

لطالما كانت شخصية القطب الرباني مولاي « سيدي بوجملين الغوث » عنوان أصالة وعراقة مدينة المسيلة وبلاد الحضنة الشاسعة الواسعة، ورمز من رموزها، وفخر المجتمع المسيلي العريق، مولاي « الغوث » الذي تربع على عرش الولاية بالمنطقة والتي يفوق عدد أولياءها الأربعين وليا صالحا تنام هناك للأبد أجسادهم الطاهرة، حتى أصبح يقال: « سيدي بوجملين.. سيد المسيلة وواليها ».

نشأ سيدي بوجملين في مدينة فاس عاصمة أجداده مؤسسيي الدولة الإدريسية التي حكمت المغرب الأقصى وأجزاء من منطقة المغرب الأوسط ما بين عام 172 و311 هجري الموافق لـ 788 و923 ميلادي، عاش ما بين القرن السادس والسابع هجري، وتلقى  تعليمه الأول وحفظ القران الكريمة في زاوية والده مولاي عبد الله، التحق بجامعة القروية التي أنشأها جده إدريس الثاني وفيها تلقى تكوينه العلمي والروحي، ثم تاقت نفسه إلى الرحلة والإصلاح فأقام مدة بمدينة تلمسان ثم الجزائر العاصمة  في نهاية القرن الثاني عشر ميلادي، حيث التقى  بالشيوخ الذين درسوا عن العلامة عبد الرحمان الثعالبي  كأبي جمعه بين الحسين المكناسي وهو من نفس أصول أبي بوجملين، ثم رحل إلى مدينة بجاية أين قضى  عدة سنوات يعلم ويصلح  بين الناس وفيها تزوج لالة عائشة البجاوية وهي الزوجة السابقة لقاضي بجاية.

عندما وصل الولي الصالح إلى مدينة المسيلة قادما من بجاية رفقة زوجته عائشة وابنها القاضي في بداية القرن الثالث عشر ميلادي قبل مجيء الأتراك إليها بمدة طويلة، حط الرحال بمكان يسمى رأس الحارة  وهي التسمية  القديمة  لحي الكراغلة الذي تأسس بعد مجئ الأتراك  في القرن السادس عشر  ميلادي، وعند وصوله إلى هناك وجدها ميدان للفتن  والعصيان، وصرح لأنواع الصراعات العشائرية بسبب حروب قبائل زناته وهجرات قبائل بني هلال وسليم.

قصص وخيال

رويت قصص كثيرة وصلت إلى حد أن أصبحت كالأساطير حول تأسيس الزاوية والتي لا تزال الأجيال تتناقلها وتردّدها في كلّ مناسبة.. يقول الباحثون في التاريخ: أن تأسيس زاوية بوجملين ارتبط بمجيء أحد الشخصيات الدينية من فاس المغربية ألا وهو الولي الصالح والقطب الرباني مولاي سيدي بوجملين الإدريسي الفاسي قادما إليها من بجاية الناصرية رفقة زوجته مولاتي لالة عيشة البجاوية وابنهما شرف الدين الملقب بالشارف وربيبه « القاضي » وكذا رفيقه سيدي بن حميدوش ومجموعة من الأتباع، حيث نزل بها سيدي بوجملين فأخمد نار الفتنة والعداوة التي كانت بين أعراش مسيلة وأهالي المدينة، وبذلك أصبح مالك المسيلة وسيدها ووليها، سكن هو وأتباعه المكان المسمى بـ »حي الكراغلة العتيق » أو كما يعرف بـ « راس الحارة »، حيث شيد فيها زاوية لتعليم القرآن وعلوم الشريعة الإسلامية، فكانت منارة يحج لها طلاب العلم من كل فج عميق وخاصة من المدن المغربية ومنطقة الساقية الحمراء ووادي الذهب، فنزلت بالمدينة عائلات تنتمي إلى سلالة المرابطين (وهم نفسهم المرابطون مؤسسي دولة المرابطين)، ويضيفون: أنه بعد وفاته بقيت سلالته تشرف على الزاوية، وتكاثر أبناؤه إلى أن أصبحوا يشكلون نصف سكان المدينة، إلى غاية دخول الأتراك العثمانيين للمدينة بعد مقاومة عنيفة من أعراش وأهالي المنطقة، فأضحت المدينة تضم العديد من الأعراق والأجناس كل يسكن حي خاص به، فأهل مسيلة (بني مسيل) يسكنون كل من خربة إيليس والشتاوة والعرقوب (وضمت هاته الأحياء بعض العائلات اليهودية)، في حين سكن كل من أولاد سيدي بوجملين والكراغلة كل من أحياء « الكراغلة (راس الحارة) والجعافرة والكوش وأولاد سيدي محمود والأشياخ، وتمركزت مجموعة من الجنود الإنكشاريين في منطقة بشيلقة الواقعة شرق مدينة مسيلة، وعرفت المرحلة التي سبقت الاحتلال الفرنسي للمدينة توافد مجموعة من العائلات من مناطق مختلفة من منطقة المسيلة مثل ونوغة وبني يلمان وسيدي هجرس وأولاد سيدي ابراهيم وسيدي عيسى والمطارفة والمعاضيد وأولاد دراج والسوامع وأولاد ماضي ومقرة.. إلخ، وكذا من بلاد القبائل والأوراس، وسكن أغلبهم حي العرقوب العتيق الذي بني ليخفف الضغط على حيي خربة إيليس والشتاوة، لكن بقيت كل تلك العائلات والأسر الوافدة إلى المدينة مميزة عن بني مسيل فالكراغلة كراغلة وأولاد سيدي بوجملين وبني مسيل والسوامع.. كل بخصوصيته وتقاليده وعاداته، حتى دخول المستعمر الفرنسي إلى المدينة أين تم تقسيمها إلى ثلاث مجموعة عرقية أو دينية « المسلمون » أو كما يطلق عليهم « الأنديجان »، وجالية أخرى متجنسة، والجالية الأوروبية (وضمت مجموعة جنسيات من فرنسا مالطا إيطاليا رومانيا إسبانيا ألمانيا)، وسط كل هذا بقي لقب بني مسيل في نظر أهل المدينة مرتبط بمجموعة من العائلات وخاصة سكان خربة إيليس والشتاوة، ثم تطور إلى أن أصبح يضم كل العائلات التي سكنت أحياء المدينة القديمة، ومكثت بها لأكثر من 100 سنة فأضحت بذلك عائلات من مناطق غير مدينة مسيلة يطلق عليها « عائلات مسيلية ».

براكاته يا سيدي بوجملين

أصبح الزاوية مكانا يتقرب منه الزوار للراحة والدعاء والأذكار، ويعتقد أهالي المنطقة أن القطب الرباني « سيدي بوجملين » مكانا تسيح على جنباته البركة حيث لا يغادرونه إلا بعد أن تسري في أرواحهم الطمأنينة والسكينة.

ورغم أن المكان يعتبر مقصد للعلم والورع والتقوى، إلا أن بعض زوارها الذين يأتون من كل حدب وصوب جعلوا من ضريح الشيخ المؤسس مكانا للتمسح بأعتابه وممارسات أخرى بعيدة عن هدفها الأسمى الذي من أجله أسس، فعند دخولنا للمقام كان المشهد مظلما نوعا ما ورائحة عطر تفوح لا أدري ما نوعها، نساء ورجال يتقربون من الضريح الملفوف بالكثير من السجائد والحرير الأخضر، وينام على حافة هذا الضريح العالي باقي المشايخ، كنت قد أنهيت دعاء زيارة القبور حين لمحت أناس آخرين يدعون في خشوع رهيب، ويتمتمون.. لا أدري نوع الكلمات أو الأدعية التي كانوا يتلفظون بها.

تحكي لنا الجدات قصص وحكايات على شاكلة « كان يا مكان في قديم الزمان »، تسافر بنا عبر الزمن، إلى زمن « ياياي العزة والأمجاد ».. تحكي لنا تاريخ حاضرة المسيلة وتاريخ أعلامها وصلاحها، تبحر بنا إلى زمن الملوك والأعيان.. زمن بني حمدون وبني حماد، لكن أهم قصة تحكيها لنا جداتنا، والتي تثير فضولنا ونتشوق لسماعها عدة مرات هي قصة شاب ورع تقي شب وشاب على طاعة الله وحب رسوله الكريم، شاب ارتبط مستقبله بمدينة المسيلة وارتبط اسم المدينة باسمه، هي قصة القطب الرباني الولي الصالح العارف بالله مولاي سيدي محمد بن عبد الله الشريف الإدريسي الفاسي الملقب بـ « سيدي بوجملين الغوث »، وقد وقف على خدمتها شيخ الزاوية هو « أحمد  الصديق » ويعرف بـ « قداش الولي » بمعنى خادم الولي الصالح، توفي في 2004 حيث كان زوار يقدمون له أموال كل حسب مقدوره لتهيئة الزاوية وتجهيزها وشراء بخور لتعطير وكل ما يتعلق بها من خدمات، وتبدو غريبة نوعا ما تسمية الزاوية بـ: « بوجملين »، ومما يروى عن ذلك أن الأصل في التسمية، أنه كان يأتي بجملين اثنين وينقل عليهما حمولته واضعا سدة بينهما، ويذهب إلى الحج لذا ألتصقت بها التسمية.

مشايخ الزاوية

زاوية بوجملين.. ملّهمة الشعراء والعلماء 

بمجرد اقترابنا من مسجد زاوية بوجملين وأدينا ركعتي التحية، وما إن انتهينا منها حتى ولجنا الباب المؤدي إلى النصف الآخر من المسجد الذي كان أكبر مساحة من الذي صلينا فيه، لتشدنا  بدائع الجماليات المعمارية على جدران الزاوية التي تحفها الألوان بهية تشد الأنفاس والأرواح، وحرص مهندسو الزاوية على انتقاءها كي تضفي على المكان مسحة الهدوء والراحة.

هذه الشخصية الروحية التي ألهمت العديد من العلماء والشعراء فكتبوا عنها وأنشدوا لها أجمل الأشعار: « سيدي بوجملين شاي لله بيه »، هي إحدى العبارات المتداولة قديمًا في المجتمع المسيلي أو تروي بعضًا مما تناقلته عن أجدادها وجداتها حول « قصص أولياء الله الصالحين » بمنطقة المسيلة، المليئة بالعبر والحكم والوقائع والأحداث التي هي أقرب للخيال منها إلى الواقع.

من أشهر القصائد الشعرية قصيدة الشيخ الريغي:

اللَّه لاَ اِلَـٰــه اِلاَ اللَّه رَبِّ الْكَـرِيمْ يَـا حَنَانْ
صَلُّوا عْـلَى النَّبِي لَمْجَدْ سِيدْ الْوُجُودْ حَيْثُ كَانْ
صَـلُّوا عْلِـيهْ بِالتَّمَامْ قَـدْ الشْهُورْ وُالاَيَّـامْ
قَـدْ الصَّلاَةْ وُالصِّيَامْ قَـدْ الجَنِينْ فِي الاَرْحَامْ
قَـدْ الْحَشِيشْ وُالْرُّمْرَامْ قَـدْ الْجُلُوسْ وُالقِـيَّامْ
قَـدْ الشَّرَابْ وُالطْعَامْ قَـدْ السْـحَابْ وُالغَمَامْ
قَـدْ الْبَـرْقْ وُالدَّمْدَامْ قَـدْ الْوُحُوشْ وُالْـهَوَامْ
قَـدْ الْمِدَادْ وُالأقْلاَمْ قَـدْ الْبُحُـورْ وَمَنْ عَامْ

مقتطفات من قصيدة مدح الرسول صلى الله عليه وسلم:

شَاتِي نـَبْرَى نـَغْدَى شُورْ سِـيدْ الزُّهْـرَة نَعْمَلْ خَطْرَة نـَغْدَى لَيْـهْ وُانْرَوَّحْ
منْ كُلْ اثْنَايَ تَاتِي لَيْهْ ٱحْفَاةْ اعْـرَايَ غَيْرَ انـَـايَ رَبِّـي رَادْ مَـا سْـرَّحْ
وَحْشُو بِيَّـا نَـارُو شَاعْلَـة مقْدِيَّـة لاَ مَهْرِيَّا صِيـلْ امْخَـوْلَه قَـارحْ.

****

الْحُضْنَـة هي فِـي جُودْهَا مسْمِيَّـة وَطْنْ اصْيُودَه فِيهَا كَمْ منْ صَالحْ
السَّخَـا لَهَـا وُالْجُـودْ وُاللَّزْمِيّــَة وُالْعَـارِي لَيْهَـا وُالْجَـائِـعْ اِرَوَّحْ
بَابَايَـا عَطْـوِي وُالأُمْ يَحْيَـاوِيَّــة حَـمْلاَوِي بـاسْمْ الرَّسُولْ نسْتَفْتَـحْ
يِرْضُونِي جُمْلَة لَحْبَابْ سَـالْ اعْلِـيَّ ٱخْـدِيمْ اهْـلِي وُاللَّي شَافْنِي يَفْـرَحْ

عائلات عريقة من صلب الزاوية

عائلات عريقة من صلب الزاوية

من العائلات التي تتمنى إلى زاوية بوجملين نذكر على رأسها عائلات بن الصديق بن محمد وبن قنة ومكي وبن الشيخ وبديرة وقرين ولعروسي قرين وبلقبي، الاعلامية خديجة بن قنة من ذرية سيدي بوجملين، وزير التربية الأسبق علي بن محمد، رئيس الناحية العسكرية الثانية اللواء حاج عروسي جمال.

مشهد مغادرتنا للزاوية كان ذاته المشهد الذي دخلنا به، فقد بقيت درجة الحرارة مرتفعة طيلة تجوالنا بين أزقة الزاوية، غير أن ما لطف الجو هو أننا اصطحبنا طيف سيدي بوجملين ونحن نهم بالعودة إلى العاصمة وترافقنا أنغام « ياي ياي ».