سيدي بلعباس:
عودة متخفية

احميدة عياشي

منذ ثمانية أشهر مات أبي، كانت عودتي إلى مسقط رأسي سيدي بلعباس مشحونة بذكريات الراحلين، الجد، الجدة، وجوه الجيل القديم التي أثثت ذاكرتي الطفولية، صديقات جدتي اللواتي كن لا يرتدين الحجاب وإنما يتجلين بألبستهن الزاهية وملامح وجوههن المحفورة بالأوشام الخضراء ونزقهن الضاج اللافت الذي يجعل من الفضاء العام ملكية مشاعة لهن.

كانت جدتي خديجة بنت المعلم أي الشيخ الروحي لزاوية سيدنا بلال التي تحتفي بصاحبيها سلالة زاوية بلال، مؤذن الرسول وممثل الإسلام الروحي الصوفي الأسود، تدير حانوتا في شارع شاركو يحي قومبيطا، يغص كل يوم اثنين بالفلاحين القادمين من القرى المجاورة وهم يحملون الشعير لوزنه في ذلك الميزان الخشبي المسمى ميزان العرب، وعند الظهيرة تتوافد صديقاتها ذات البلوزات المزركشة والأصوات الرنانة والحكايات المتدفقة مثل ماء السواقي التي كانت تخترق جنائن قومبيطا التي يسهر عليها البستانيون القادمون أغلبهم من منطقة سجلماسة المغربية ذات الجذور البربرية الشلحية.

كانت زهرة المدعو « القجعة » من الوجوه التي لا يمكن أن تنسى، كانت مغنية راي نسوي، تجالس الرجال في المساءات وفي الأيام العادية تدير حماما تؤمه نساء قومبيطا وسيدي الجلالي والماكوني في نهارات الأسبوع باستثناء يومي السبت والأحد، وبالقرب من حانوت جدتي خديجة كانت محلة سيدي بلال التي كانت تقودها المقدمة المسماة العريفة لالة بختة الكحلة، كانت كما يدل عليها لقبها ذات بشرة سوداء صافية، ذات قامة فارعة وجسد ينبض برائحة البخور وجمال سوداني باهر، لا تبدو على وجهها علامات السن المتقدم أو في حركاتها، تبدو كعذراء في العشرينيات من عمرها، وكان لون أسنانها الفضي يزيدها إشعاعا وتألقا، وفي أيام الدردبة وهي إحدى طقوس القناوي، كانت العريفة ترافق الموكب الديواني عبر شوارع سيدي بلعباس كلها، ترتدي ألبسة افريقية صارخة الألوان، وتحمل بيدها اليمنى مخملا ملونا مليئا بالحلوى توزعها على الأطفال الذين ينظرون بعيون عامرة بالدهشة إلى منظر الثور الأسود المزين بالأقمشة ذات الألوان المختلفة.

تستمر الدردبة سبعة أيام وليال بكاملها، وتأتي الفرق من كل النواحي والمدن بغرب البلاد، تستمر السهرات إلى غاية طلوع الفجر، في الغالب تنظم بالقرب من محلة سيدنا بلال، في بطحاء تقام فيها خيمة كبيرة، وتقدم خلال تلك المساءات الروينة والكسكسي الأحمر والأبيض ولحم الثور والغنم والدجاج، والقهوة المعطرة بالقرفة، وترتدي النساء الألوان الخضراء والبيضاء، وتستعيد أغاني ديوان الأزمنة الدينية الحافلة بالقصص ذات النبض الأسطوري والتاريخي الروحي، تروى عبرها الملاحم والبطولات والقرابين.

كان الطريق السيار مفتوحا مثل كتاب راحت صفحاته تدفع بكل القصص والصور الغابرة الدفينة في ضريح ذاكرتي لتخرج من مغاراتها التي علاها غبار الأيام السريعة والمتراكمة مثل كثبان في قلب صحراء موحشة، كان وجه أبي يتجلى في غمرة ذلك الحزن الهادئ والصامت وكانت سيدي بلعباس تتفتح مثل وردة خلف جبل صخري، أصابها قطر الندى، ولم يكن قطر الندى سوى الموت الذي يوقظ ذاكرتنا من سبات أثقلت كاهله ونبضه رتابة اليومي وسلطه القاتلة فينا لكل          ما هو حي ومتحرك.

لم تعد تلك المقبرة الصغيرة التي كان يحرسها ذلك الرجل القصير ذو الأنف المعقوف والوجه المكور والمدعو تشاطو، كان قصير القامة، قزم، ممتلئ، وذو صوت هادر، حارس مقبرة الولي الصالح سيدي بلعباس، صاحب فرقة موسيقية يساعده أبنائه الثلاثة في مساءات كل صيف، وحفار قبور قبل أن تجر الشمس ذيولها، كان يقيم بالقرب من ضريح سيدي بلعباس، كانت المقبرة مملكته، وكان هو حاكمها في النهار والليل، غادر هو الآخر عالمنا، تغيرت المقبرة بشكل كبير وفج، امتدت إلى ما لانهاية، اختفى ضريح الولي وسط تلك المساحة الزاحفة للأموات الجدد، لم يعد للمقبرة بابين مثل الماضي بل صار لديها سبعة أبواب.

اجتاحتني رغبة خلال عودتي إلى سيدي بلعباس في التعرف على سيدي بلعباس من جديد، لم تعد المدينة هي ذاته التي قضيت فيها طفولتي والجزء الأول من شبابي.

في أيام العزاء، جاء إلى بيتنا بعض من تبقى على قيد الحياة من قدامى أصدقاء أبي، عمور ذو البشرة السوداء والفم المذهب وصاحب الدراجة النارية الزرقاء، تجاوز سن الخامسة والثمانين، ابتسم ما إن رآني، وذكرني بتلك الأيام التي كان يبكر رفقة والدي وأصدقاءهم إلى مربع شجر الزيتون بالقرب من بلدة تسالة، يصطادون السمان، كان عمور ذو بنية متينة، هادئ، وذو ضحكة صبيانية، وبرغم تقدمه في السن ظلت ضحكته حية ومليئة بالحياة، كان متأففا من انقراض الحياة النابضة التي عاشها في قومبيطا، (تغيرت كثيرا قومبيطا) قال لي بحزن وكآبة، ثم أضاف وهو غير مقتنع (سنة الله)، وجاء كذلك خالي جلول، في السابعة والثمانين من عمره، بدا كاللامبالي بالموت، وكان يتحدث عن أبي وأصدقائه الموتى وكأنهم أحياء، لم تكن تعنيه بلعباس الجديدة، كأنه لم يكن يراها، كانت بلعباسه الكولونيالية بقاعات السينما، وملعب بولوندري، وساحة كارنو، والطحطاحة بمقاهيها العربية، وشيوخ البدوي، وجنائن أحيائها التي يمر عبرها وادي ماكرة الشهير، وحديقتها العمومية المسماة عند العباسيين (جنان البايلك)، وشوارعها الفسيحة، وسكة الحديد التي كان عمالها يشكلون الذراع الواقي لشيوعي فيدرالية سيدي بلعباس التي تحدث مؤتمر الأممية الثالثة في عام 1923 الذي كان يرأسه لينين وتروتسكي وستالين لرفضهم المادة الثامنة التي تدعو إلى التحالف مع الورجوازيات الوطنية، وأبوابها الكبرى التي كانت تفتح مع كل صباح وتغلق في المساء، من باب وهران وباب الضاية وباب معسكر وباب تلمسان.

كانت ذاكرة خالي باهرة، ملتقطة لكل التفاصيل وزاخرة بالماضي الذي ظل ينافس الحاضر الكسول للمدينة، عندما قام  خالي من مكانه، تواعدنا على لقاء جديد بعد عودتي مجددا إلى سيدي بلعباس، بعد أربعة أشهر كان قد غادر سيدي بلعباس، قلت ذلك لابن خالي الذي طلبت منه التجول في حديقة البيت التي كنت ألعب فيها وعمري لا يتجاوز السبع سنوات، كنت أحكي له ذكرياتي في منزل والده، بينما كان مياه وادي مكارة التي كانت تعبر جنان البيت العائلي راكدة وجامدة.

منذ أيام زرت أمي، وجدت أفراد عائلتي الذين قدموا إلى البيت العائلي بسبب مناسبة خاصة، اجتاحتني الرغبة مجددا لأروي باقي حكاية المدينة، أو قد أرويها ذات يوم قريب.. فالمدن التي تسكننا تبقى حكاياتها تنتظر عودتنا لتخلع ملابسها وتغطس في نهر الحكاية علها تجد في القاع    ما ضاع، وما تخفى في سبات اليومي الذي يتسلل سأمه الرتيب إلى روحنا مثل وهم خادع وخفي.