سيدي الهواري:
سلطان الأولياء

محمد بن زيان

لكل مدينة جزائرية تقريبا وليّها، ولهذا لا تشذ وهران عن القاعدة ولا تعتبر الاستثناء، فيها أكثر من وليّ، غير أن الإمام سيدي الهواري يحتل المكانة الأسمى والأرفع بينهم فهو سلطان أولياء المدينة.

لا يمكن استحضار وهران دون ذكر وليّها الهواري، الكل يردّد الاسم، والهواري اسم تختاره الكثير من العائلات لأبنائها تيمنا بذكر الولي.. والهواري الذي لم يحسم أهل التاريخ المكان الحقيقي لمدفنه، صار الضريح المسمى باسمه قبلة الزوار، ضريح يقبع في قلب الحي العتيق الذي يحمل أيضا اسم سيدي الهواري.

سيرة عطرة

أحفاد سيدي الهواري

لا أحد يعرف أين دفن الشيخ، ربما هذا جزء من الالتباس الذي يكتنف السيرة، وهو التباس قد يبدو مطلوبا بالنسبة لشخصية من هذا الصنف، يتشكل تمثلها بما يتجاوز التاريخي ليرتبط بالأسطوري والخرافي.

الضريح أو المقام محطة زاخرة وحافلة بكل الطقوس المرتبطة بروح وإيقاعات المدينة المتوسطية، لا تتحرك مواكب الأعراس وتجوب الشوارع إلا بعد أن تقصده، فزيارته بند في بروتوكول كل زفاف، حتى فريق المولودية وبقية فرق الكرة الوهرانية تضع في حسبانها التوقف عند الضريح ضمن محطاتها الاحتفالية عقب أيّ فوز.. صار حي سيدي الهواري مرجعية وهران وخلاصتها، خلاصة تشكلت عمرانيا وسكانيا ومزيج صار ملازما لخصوصيتها وتنوعها.

للمكان جمالياته التي سبق للدارسين التفصيل فيها، وله أيضا جلاله، حيث جمعت وهران ومقام سيدي الهواري الجمال والجلال، جمال الموقع وجلال الرمز الذي شحن الموقع.

الكل يردّد اسم الهواري ولكن الأغلبية لا تعرف عنه سوى أنه ولي المدينة، ولكل مدينة ولي في العالم المغاربي المرتبط بالولاية كارتباط المشرق بالنبوة ـ بتعبير البعض ـ.

لعلّ ذلك يلخص الحكاية، فالمد والمدد ليس في ما تحقق تاريخيا، بل في ما يشكل المخيلة لكي تستمر ناضجة وحاضرة تتغذى من أنوار العرفان والولاية.

إسمه الكامل محمد بن عمر الهواري، ولد عام 1350 في أحواز كلميتو شرق ولاية مستغانم، توفي في 12 سبتمبر 1439.. تلقى تكوينه الأساسي في مسقط رأسه، وارتبط بالتصوف منذ صغره نتيجة بيئته، وأيضا لتأثره بأحد الشيوخ تلك المنطقة

كانت سيرته صوفية بامتياز وهي التي حددت وجهته فيما بعد، كان يبدو غافلا، لا يبالي بما اعتاد عليه الناس، ومما يروى أنه في صغره كلف والده شيخا بتدريسه يسمى علي بن عيسى فأنتبه هذا الأخير أن سلوك الهواري يطبعه اللامبالاة وعدم اهتمام بملبسه، فعمد إلى تعنيفه قصد الحد من هذا السلوك الغريب، لكن والده تدخل ونهى الشيخ عن ضربه وقال له ما معناه: لا تعنفه حتى لو كان غافلا ومهملا فذلك من علامات الولاية.

في صغره تعرف على أحد الزهاد في غار بمنطقة كليمتو، وأخذ منه على عادة المتصوفة الطريقة، ثم ما لبث أن بدأ يجوب الفيافي والبحار، ويقال أنه خالط الوحوش.

كانت الهجرة والسفر والرحلة محورية في حياته، رحلة طلب العلم والبحث عن سبل وطرق العرفان، جاب مدن ووجهات عديدة، وقصد بجاية وفيها جلس تلميذا بين يدي علماء كبار: أحمد بن إدريس وعبد الرحمن الوغليسي، وهما من شيوخ ابن خلدون وأخيه يحيي.. ولقد وجد الهواري الحال الذي وجده أبو مدين في بجاية وفيها كتب « كتاب السهو » وهو في أحكام الطهارة والصلاة ونظم قصيدته « التسهيل ».

عاد بعد ذلك إلى بلدته، ثم سافر نحو فاس للمزيد من التحصيل، وواصل الرحلة، فمر بتونس وليبيا، ثم دخل مصر وجلس في الأزهر تلميذا، واستكمل مسار رحلته قاصدا مكة للحج وبعد زيارة المدينة المنورة، ثم عرج على القدس والشام ليعود بعد ما غمرته فيوضات العلم والثقافة وكل أنواع المعارف.و كان الاستقرار في وهران التي كانت نابضة بحيوية النشاط و كانت حاضنة للمهاجرين    الأندلسيين  .

استقر في وهران التي عرفت في تلك الفترة حيوية معرفية ونشاط تجاري متنوع، وكانت حاضنة للمهاجرين الأندلسيين، فواحة بعبق الأندلس وروائح الأسلاف، فاحتضنت الهواري وصارت هي هو وهو هي.

مقام الإستثناء

لم يكن مقام الهواري عاديا، كان مقام الاستثناء، مقام تشكل كتقويم لحياة مدينة صار وجودها مرتبطا بوليّها.. استقر وبث ديناميكية عالية في الحياة اليومية للمحيطين به، تفاعل مع أحداث عصره، وجسّد معنى العالم العامل أو بعبارة عصرية دور المثقف العضوي.. جسد حقيقة التصوف العملي السني، حقيقة تجذرت وتراكمت وتقاطعت مع متصوفة آخرين رابطوا وجاهدوا وعلموا وتركوا أثرا بعد عين.

من أجل فعالية التواصل أعطى سيدي الهواري دروسه الفقهية بالدارجة أو العامية، ويروى أن تلميذه أبو زيد عبد الرحمن مقلاش حاول أن يصحح كتاب « السهو و التنبيه » نحويا والمكتوب بالعامية، إلى أن سيدي الهواري رفض ذلك وقال مخاطبا تلميذه: « دع سهرك عندك، واترك سهري لي ».

صارت له سمعة كبيرة ومرجعية وشهرة تخطت نطاق وهران، واختلط الحقيقي بالأسطوري في ما تم سرده عنه من روايات، كرواية دعوته على حاكم تونس ودعوته على أهل وهران الذين قتلوا ابنه.

مقام سيدي الهواري بين الامس واليوم

حكايات أسطورية

كانت لسيدي الهواري مكانة رفيعة وصاحب كلمة حق مسموعة وهو ما دفع أمير تلمسان آنذاك الزياني أحمد العاقل الاتصال بالشيخ الحسن أبركان التلمساني بغية التماس مبادرة شيخه الإمام الهواري للتدخل لتوقيع وثيقة الصلح لدى السلطان الحفصي الذي قصد تلمسان غازيا.. يقول المؤرخ يحي بوعزيز في كتابه عن تاريخ وهران: « و لما كان الحسن أبركان تلميذا للهواري فقد أسرع بإبلاغه رغبة أحمد العاقل، فرفض في البداية بدعوى أنه لا شأن له بالملوك والأمراء، ثم بعد الإلحاح والمراجعة قبل، وقال له قل لصاحبك سلطان تلمسان أن يطمئن فسوف لن يرى ولن يتقابل مع سلطان تونس.. و صادف أن توفي أبو فارس عزوز فجأة في سفح جبل الصدر من جبال الوانشريس صباح يوم عيد الفطر من عام 817هـ (11 ماي 1434م)، بينما كان الناس ينتظرون خروجه لأداء صلاة العيد في طريقه إلى تلمسان، فأخفى ابنه وفاته، وتوقف عن مواصلة الزحف إلى تلمسان وحمل جثته وعاد بها إلى تونس، وكفى الله تلمسان وأميرها شره، وشاع يومئذ بأن الشيخ الهواري هو الذي دعا عليه ».

نسجت حول الشيخ الهواري هالات من حكايات وروايات قاربت الأسطورة والخرافة مثلما نجدها لدى العديد من الأولياء في مختلف المدن والقرى والأزمنة، هالة يختلط فيها التاريخي بالمتخيّل، وتحضر ذلك في الروايات الشفوية وفي السرديات التي كتبت من طرف جزائريين وأجانب.

مما يروى حكاية دعوته على المدينة عقب مقتل ابنه، يقول يحي بوعزيز: « وهناك إشاعة أخرى نقلها كثير من تلاميذه، ومنهم إبراهيم التازي، والحافظ أبو راس، وشاعت بعد ذلك وانتشرت في كتابات الأوربيين، ومفادها أن  الشيخ الهواري هو الذي دعا على وهران حتى احتلها الإسبان.. ذلك أن بعض الناس من سكانها قبضوا على ابن له هائج لمرض ألمّ به على ما يبدو فلقبوه بالهائج، وقتلوه،  وزعموا أنهم حكموا فيه الشرع الإسلامي. فسكت الإمام الهواري وتحمل المصيبة على مضض، ولكن زوجته غضبت وألحت عليه في  اطلب القصاص، وضربت له عدة أمثلة من الواقع حتى أثرت فيه، فاتصل بقاتلي ابنه وحاججهم، وزعموا له بأن ابنه « هائج » استوجب القتل، وطبقوا فيه أحكام الله فعارضهم، وأكد براءة ابنه مما نسب له، واشتد غضبه فدعا على وهران بقوله: « روحي يا وهران الفاسقة، يا كثيرة الجور والبغي والطارقة، يا ذات الأهل الباغية السارقة، إني بعتك لنصارى مالقة وجالقة إلى يوم البعث والتالفة، مهما ترجعي فأنت طالقة. ولما سأله أحد تلاميذه: والفرج يا سيدي. استدرك، وقال: والفرج لاحقه. وهذا التلميذ هو الشيخ إبراهيم التازي ».

حضور مقدس

يحضر الهواري في كل حين وآن، موجود في كل مجلس، في الضريح، وفي الشارع، في مدرجات الملاعب، وفي حلقات المداحين، والذاكرين، في الحفلات.. يحضر بمختلف الإيقاعات وبشتى الألوان.. يحضر ويغيب في الحضور، يغيب بغياب المعطيات المتصلة به، لكنه يحضر بما نسجته المخيلة وما حبكته من خرافات وعناصر الأسطرة التي وسمته عبر الزمن والوقت، وصارت أيضا ملازمة لتلك الآهات التي ترثي وهران، كما جاءت في أغنية الفنان الراحل أحمد وهبي، وأعادها بصوته العالمي الشاب خالد: « وهران رحتي خسارة ».

رغم  الخسارة المتضاعفة، يستمر المدد، ويستمر حضور وهران بحضرة إمامها الهواري.