ساحة الثورة أو « الكور » :
قلب عنابة النابض

 أمال رمضاني

إذا أردت أن تلون أيامك بالفرح، وأن تستحضر التاريخ لتعيشه في أجمل لحظات الحاضر فلتكن وجهتك مدينة بونة أو عنابة عروس الشرق الجزائري، والتي ستستنشق هواء هذه المدينة ويمتعك عمرانها وقصص سكانها التي تُعيد للنفس بهجة الحياة، فهذه المدينة العريقة التي ظهر اسمها في القرن 14 م هي مدينة نشطة خاصة بوسط المدينة، أين يوجد درب الثورة أو ساحة بريطانيا سابقا التي تعج بالحياة.

تعد مدينة عنابة الساحلية وجهة مفضلة لعديد من السياح، نظرا لما تحتضنه من مزايا مغرية أهمها الشواطئ العذراء والمواقع التراثية الأثرية الثمينة والمناظر الطبيعية الخلابة، كما تتوفر عنابة على جميع عناصر المدينة العصرية، بتصميمها العمراني المميز، ويتوسط هذه المدينة التي تتميز بمبانيها الأوربية القديمة وبأشكالها ساحة في غاية السحر والجمال تعرف بساحة الثورة أو ما يطلق عليه الكور أو ساحة بريطانيا قديما التي شيدت في العهد الاستعماري.

يعود تاريخ بناء هذه الساحة التي تعد من الساحات العتيقة والقديمة بالمدينة لسنة 1800 حيث كانت في تلك الحقبة مكان خاص يتجمع فيه اليهود، وفي سنة 1907 سميت تلك الساحة بالساحة الوطنية، وخلال العهد الاستعماري قام عمدة مدينة بون، جيروم بيرطانيا،  Jérôme Bertagnaبإحداث تغيرات على هذه الساحة التي تتوسط المدينة، حيث جعل الأكشاك تصطف على اليمين كما على اليسار، أشهرها كشك الدب القطبي كشك والفردوس كشك بابو، وشيدت حولها عديد البنايات التي تحمل الطابع الأوروبي بهندسة جمالية رائعة، ليحمل فيما بعد هذا المكان التاريخي اسمه لسنوات قبل أن يتم تغييره لساحة الثورة بعد الاستقلال مباشرة.

لقبها العنانبة بعروس الساحات، وتعد القلب النابض للمدينة، فهذا المكان الساحر المهيب الذي ينفتح على الميناء شرقًا ويقع أسفل المدينة القديمة البلاص دارم، يبلغ طوله كيلومترًا تقريبًا ويعتبر المحور التاريخي لبونة، تتناسق فيه أشجار الفوكيس والضليلة التي نصبت تحتها مقاعد تسمح للأفراد بالجلوس تحت ظلالها، يتخللها ممرات منقوشة بنباتات الزينة والملونة بمختلف أنواع الزهور، كما يبقى جمال ساحة الكور ميزة تصنع خصوصيتها بما يثير رغبة الكثيرين في التنقل إليها طمعا في قضاء فترات من الراحة والمتعة رفقة الأهل والأصدقاء.. بالإضافة إلى الحركة اللامتناهية للراجلين الذين يتوافدون على مقاهيها المفتوحة والأكشاك وشرفات بيع المثلجات، كما كان هذا المكان ولا زال مقصدا لكبار السن وخاصة فئة المتقاعدين الذين اعتادوا اللقاء فيها، حيث تنبعث نسمات البحر القادمة من منطقة الميناء للاطلاع على ما تحمله كتابات الجرائد وتبادل أطراف الحديث حول ما يهم حياتهم اليومية.

ويبقى الكور يصنع عز بونة العتيقة، فبين جنباته تنتصب تلك البنايات العريقة التي تنفرد بأعمدتها المنحوتة على الرخام فاتحة ممرات للراجلين كما نجد أيضا نزل الشرق الذي يعود إلى سنة 1888 والمسرح الجهوي عز الدين مجوبي الذي دشن سنة 1836 وأعيد بناؤه سنة 195،  فبناية فندق الشرق الذي لا يزال قائما بذاته يزيد ديكور ساحة الثورة بهاء وشموخا، وكانت هناك كاتدرائية شيدت إبان الحكم الفرنسي وتم هدمها بعد الاستقلال، ويتوسط الساحة ذلك النصب التذكاري الذي يخلد عظمة أسود بونة الذين حاربوا المستعمر الفرنسي.

يحكي عمي برابح، صاحب كشك الدب القطبي، والذي قضى أكثر من نصف قرن بهذا المكان، أن كور عنابة كان ولا يزال الوجهة السياحية المفضلة، وبه تشعر أن عنابة أنيقة وجميلة وفاتن، وتقاوم للحفاظ على أصالتها وتراثها، فطالما أسر هذا المكان المبدعين، من كتاب على غرار الدكتور سعيد دحماني، شريبط أحمد شريبط، كمال دردور، حسين زبرطعي وغيرهم من الكتاب، وسينمائيين مثل المخرج الكبير عمارة العسكري وفنانين وفنانات تشكيليين كالفنانة التشكيلية دهال جنات هب الريح، فباتت ساحة الثورة العنوان الأنسب للتلاقي والتحادث بين المبدعين والفنانين، وبات هذا المكان الساحر يحيا بالفن، فموقعه وانفتاحه على المدينة جعل الكتاب والفنانين والرسامين يختارونه لمزاولة أعمالهم.

خلال السنوات الماضية أعيدت هيكلة ساحة الثورة، أصبحت، بعدها قبلة مثالية لسكان المدينة وزوارها، من خلال إضفاء جمالية على مرافقها، إذ زينت جنبات الكور بأنواع من الأشجار والنباتات، بالإضافة إلى توسيع فضاء سير الراجلين، فهنا لا تتوقف الحركة، ولا الروائح المنعشة التي تنبعث من المقاهي، بدءا من الشاي « المنعنع » إلى القهوة العنابية الأصيلة وأطباق الأكل وغيرها من أصناف المآكولات والمشروبات، فيتحول، الكور القلب النابض للمدينة إلى لوحة تشكيلية خلابة وساحرة ينجذب إليها الرائح والغادي.