دير تيبحيرين:
سيدة الأطلس الشامخ

العربي رمضاني

رهبان تيبحرين

دير سيدة الأطلس، رفيقة الضباب والمدى المفتوح على المتوسط والإرتفاع الشاهق حيث السكينة والصفاء والعمق.

زيارة دير تيبحرين كانت أمنية قديمة، منذ أيام الدراسة الجامعية في المدية، لإعتبارات عديدة لم تتحقق تلك الأمنية إلا ذات شتاء بارد بعد سنوات من تخرجي.. الشتاء في المدية، مسحة أوروبية باردة مصحوبة بالصمت وحركة الضباب والأمطار الوديعة التي تتساقط بسخاء وتراقص أشجار السرو والبلوط وتبعث على الإنتعاش.

المدية تتوسط الأطلس البليدي، تجلس بدلال على مرتفعات شاهقة تُطل على البليدة والعاصمة وأيضا إطلالة أخرى مفتوحة على السهوب وشرفة ثانية ناحية قمم تيكجدة، موقع محوري وكثافة طبيعية متنوعة وذلك الصمت الٱسر دوما والشموخ المتعالي على دخان المدن وغبار الماضي وروائح الموت، ألوان الطبيعة وخرير المياه وحقول الكروم المرتبة والغيم الأبيض أبرز ما تحتفظ به المدية لزوارها ومريدها.

حكاية إنتماء غريب وغامض

كل الأفكار المُسبقة عن تيبحرين « الحدائق بالأمازيغية » تتبدد بسرعة ويفشل الخيال في رسم معالمها، استحضار موقعها، تاريخها، أجراسها، زوارها، علاقتها الوثيقة بالطبيعة والإنسان.

في الطريق المؤدي إلى واحدة من أعلى الأماكن غرب المدية « على إرتفاع 1100م عن سطح البحر »، أين تلامس قمم الجبال قوافل الضباب القادمة من الشمال، طريق مزفت حديثا، على جنباته عمارات حديثة، وشوارع نظيفة وقليلة الحركة، والمطر ينهمر بلطف ويداعب خد المدينة، ورائحة الأرض تُلامس القلب وتُشعرك بالألفة والانتماء لشيء غريب وغامض، بعد الابتعاد عن ضوضاء المدينة يداهمك صمت مُدهش يُحرك الحواس حيث تتجلى رهبة الطبيعة وجمالها البديع، ولا يقطع سكينتها إلا شدو العصافير وخرير الجداول.

موقع الدير أُختير بعين وبصيرة ناسك متجرد من صخب الوجود، ومنهمك في ترديد الصلوات والترانيم، والتماهي مع السلام الروحي الذي توفره الطبيعة ببذخ لا مثيل له.. بنايات عتيقة على أطراف باحة الدير، تضم قاعة لإقامة الصلوات وقداس الأحد وطوابق أخرى تضم غرف نوم وعيادة ومخازن أدوية ومحاصيل يجنيها الرهبان من زراعة قطعة الأرض التابعة للدير .

أُسس الدير في 7 مارس 1938 قرب مغارة، يقال أنها كانت ملجأ للأمير عبد القادر أثناء مقاومته بالمنطقة، من طرف مجموعة رهبان ينتمون إلى نِظام les trappistes المسيحي، الذي جاء إلى الجزائر سنة 1834 بغرض نشر المسيحية.. استقروا أولا في نواحي مدينة سطاولي، ثم انتقلوا إلى مناطق عديدة من المدية « أولاد طريف » و »بن شيكاو »، ليستقروا في تيبحرين قرب قرية Lodi – ذراع السمار حاليا -، بالقرب من قمة جبل ناظور « كاف أزري » على بعد 100 كم عن العاصمة الجزائرية.

تردد على الدير منذ تأسيسه عدد كبير من الرهبان، بعضهم كان ممرضا في صفوف جبهة التحرير الوطني ك « بول فافر »، و »ميفيل » الذي طور النظام الزراعي وجلب الماء إلى المنطقة، تراكم الخبرات لدى هؤلاء انعكست على أدائهم وطبيعة الخدمات التي كانوا يقدمونها إلى السكان.

دير سيدة الأطلس وأسراره

سُمي الدير « سيدة الأطلس (Notre Dame De L’Atlas) « سيدة وقورة، من كل الربوع والمرتفعات والتلال اختارت هذا الموقع المُنسجم مع أُفق النفس وشغف الروح إلى الارتقاء ونذرها للإنسان حصرا.

عند نهاية المنحدر المؤدي إلى سيدة الأطلس وبعد توقف المطر نسبيا وانقشاع الضباب، ظهر مدخل الدير على جانبه تمثال وديع للسيدة العذراء، وفي الضفة المقابلة للتلة التي تبدو وكأنها معلقة بين السماء والأرض، تظهر مرتفعات مدينة تيمزڨيدة، على الحدود بين المدية والبليدة وعين الدفلى.

سلسلة جبلية شاهقة يلُفها الضباب مع تسرب نسيم بارد قادم من المتوسط، منظر طبيعي خرافي، ولوحة شتوية بديعة كأنها قطعة هاربة من الفردوس تجعل المكان أكثر روحانية وهدوء وغواية ورغبة شديدة في الاكتشاف والتأمل.

الصمت التام والحركة البطيئة تضفي أجواء من الرهبة وأنت تقترب من الدير، يبدو من الخارج عتيق نسبيا، معمار فرنسي تقليدي، قرميد أحمر مبلل، ونوافذ عالية، وجدران بلون الأرض، وأشجار الصنوبر والسرو تحيط بالدير.

للوهلة الأولى تذكرت الحادثة البشعة التي تعرض لها سبعة من رهبان من الدير في 27 في مارس 1996، أين اختطفوا، وقتلوا بوحشية مروعة اهتزت لها البلاد وخلقت بلبلة إعلامية وسياسية لم تهدأ تداعياتها بعد، سألت شاب يقيم في المنطقة ويتردد كثيرا على الدير كانت له علاقة عميقة مع الرهبان.. كان يحكي بعفوية وترحاب، إلى أن حدثته عن قبور ضحايا الهمجية والغدر، صمت قليلا وبدا التأثر عليه.. اكتفى بالإشارة إلى موقع قريب من وسط الدير تحت أشجار السرو، حيث توجد شواهد قبور من الرخام كتبت عليها أسماء الضحايا.. منعت نفسي من تخيل أجواء الاختطاف واقتحام الدير في ليل بارد ومفزع، وكيف أقتيد هؤلاء مشيا إلى حتفهم الدامي ولحظاتهم الأخيرة، أخبرني صديق الدير اعتمادا على شهادات ممن كانوا على قرب من الرهبان في تلك الليلة الربيعية غير العادية في حياة المدية والدير والسُكان.. تم كل شيء بسرعة، سُلبت من الدير حرمته وتعرض لانتهاك فظيع، وحاولوا جره إلى ألاعيبهم وقبر عقود طويلة من الانسجام والألفة بين الرهبان والساكنة المحيطة بهم الذين لم تفارقهم الصدمة بعد كون الضحايا كانوا امتدادا إنسانيا لحياتهم، صدمة التعرض لأبرياء، قدموا من دول عديدة، ألفوا المكان وأهله، ومنحوا خبراتهم ومساعداتهم على العائلات الميسورة التي ظلت تتردد على الدير للعلاج، ثم تعمقت العلاقة لتصبح مودة راسخة متعالية على التصنيفات النمطية الجاهزة، يضيف محدثي.. كان والدي وأعمامي والجيران يعتبرون الدير والرهبان أقارب وأهل، يخدمون الأرض معا، يشرفون على المياه التي كانت بلا شبكات، يحتفلون بالأعياد، ويتقاسمون الشاي والحلويات في سهرات رمضان.. كان الدير أيام أعياد الفطر والأضحى وليلة رأس السنة صاخب بالبهجة والدفء الإنساني وتبادل الذكريات والأطعمة والهدايا والوفاء الأبدي للأرض والإنسان.. كأن هناك من كان يترصد من بعيد، أزعجه وجود دير في بيئة إسلامية رفقة رهبان من بلدان أجنبية، دخلاء على النسيج الاجتماعي أو لديهم أدوار مشبوهة كما يتوهمون متجاهلين أن الانتماء لوطن ليس ورقيا أو إثنيا أو دينيا، وإنما مقاسمة أبناء الأرض همومهم وتطلعاتهم وفرحهم، وإلا كيف تفسر تلك العقول الراكدة إنحياز الكثير من الفرنسيين للثورة التحريرية، يضيف صديق الدير بحسرة عابرة تنجلي سريعا وهو يتجول بنا داخل الدير مبتسما.

كان بإمكان هؤلاء المغدورين أن يغادروا إلى أوطانهم بعد وصول تحذيرات عديدة، لكن تعلقهم بالحياة وخدمة الناس وحبهم للأرض وإيمانهم بالتعايش السلمي والتسامح وإشاعة روح المحبة والإخاء كل هذا حال دون أن يسكنهم الرعب أو الخوف.

تختصر عبارة الأب الراحل « كريستيان » التي كانت بمثابة وصيّة، لقضيّة من أجلها نذروا حياتهم وضحّوا بها: « إذا ما حدث في يوم من الأيّام – وقد يكون اليوم بالذات – أن أكون ضحيّة الإرهاب الذي يريد أن يمسّ، كما يبدو، كلّ المهاجرين المقيمين في الجزائر، أودّ أن تتذكّر طائفتي وكنيستي وعائلتي أنّ حياتي مُنحت لله ولهذا البلد ».

لم نكن وحدنا مستهدفين بالخناجر القادمة من كهوف الظلام، وإنما جميع الجزائريين بمختلف انتمائهم كنا في مواجهة أنياب الوحوش، كأبناء وطن ووافدين صاروا جزءا منه.. هكذا أخبرني شاهد قبر الٱب كريسيتيان الذي يضم رأسه دون جسده.

زوار الصمت والتقدير

عدد من الزوار كانوا عند مدخل الدير، جاؤوا من العاصمة والبليدة ومدن جزائرية أخرى وحتى من فرنسا وبعض الدول الأوروبية، من بينهم مهندس جزائري مغترب جاء خصيصا إلى المدية لرؤية الدير عن قرب، كون والده كان ممرضا في صفوف جبهة التحرير الوطني ولديه صداقات مع رهبان فرنسيين قرروا الاستقرار في الجزائر بعد الاستقلال.. يتحرك الشاب المغترب بهدوء داخل زوايا الدير، يتردد على الغرف ويتأمل أشجار السرو محاولا التقاط خيط ذكريات عايشها الوالد رفقة هؤلاء الرهبان وكان يساهم معهم في علاج السكان المحليين.. كبرت على قصص والدي عن المدية وقراها ومداشرها وطيبة سكانها، كان يحتفظ بصور فوتوغرافية عن عاصمة الولاية فترة الأربعينات، ويحكي بحنين عارم عن لطف السكان والأرياف الهادئة وسيدة الأطلس التي تمنح بركتها للجميع، أكانوا يبحثون عن العلاج، أو حتى عن ٱخر عن لقاحات لأطفالهم تحت أعين الرحمة لأولئك الرهبان مرفرفين كحمائم سلام في أعلى التلة.

عادت للمكان أهميته وأصبح مزارا للسياح والباحثين عن التعايش والسلام بعد عشرية دامية جرف جنونها مئات الٱلاف من الضحايا، لم تفرق بين دور عبادة أو قرية مسالمة تجاور الجبل وتنتظر الربيع.

لسكان المنطقة المجاورة للدير علاقة استثنائية بالرهبان تعود إلى عقود خلت كان للرهبان فيها دور مهم في تطبيب العائلات الفقيرة، وتقديم العون لهم وتعليم الفتيات الخياطة، شاب ٱخر أربعيني كان يجيب على بعض أسئلتنا بحيوية لافتة، لم تنقطع علاقته بالدير، ظل وفيا لزيارة الرهبان ومساعدتهم في نشاطهم الزراعي، وكذا الترحيب بالزوار وتعريفهم بالمكان.. يقول هذا الشاب: لم تؤثر كل الأحداث على بشاعتها في قطع العلاقة بين الدير والعائلات المقيمة بجواره، ظلت هناك علاقة دافئة قائمة على المحبة والتعاون وحتى في أحلك الظروف لم يتخلى هؤلاء عن رهبان الدير، قاسموهم الدموع والحزن واستعادة لحظات الفرح والعمل المشترك لجعل المكان فضاء إنساني عابر للأديان والإصطفافات المؤدلجة المنغلقة.

في باحة الدير تقف السيدة العذراء بأناقة لافتة، تمثال ٱخر مثبت في جدار طيني وأسفله عين ماء تفيض بركة تجعلك تتعلق بالمكان.. يتردد الزوار على كل نقطة ومساحة في الدير.. عند مدخل البناية في ردهة واسعة بسقف عالي، توجد صور عديدة للرهبان السبعة رفقة مقتنيات أخرى وأدوات لفلاحة الأرض وأدوية، إرث مادي وروحي يعكس الدور الاجتماعي والإنساني الذي دأب عليه أفراد الدير منذ تأسيسه إلى غاية تلك الفاجعة التي تراجع فيها نسبيا حضور الرهبان ليقتصر على عدد محدود منهم، يقيمون في العاصمة ويترددون على الدير كل أحد وثلاثاء للحفاظ على نشاطه وعلاقته الوجدانية والحميمية بالناس.

يتكفل الأب « إيف » والأب « أوجان » بالإشراف على شؤون الدير واستقبال الزوار وتعريفهم بالمكان ورمزيته القوية في المنطقة والجزائر .

لن تغادر سيدة الأطلس إلا بعد أن تمنحك كمية عالية من الضوء ومعاني عديدة عن التضحية من أجل فكرة، مبدأ، قيمة سامية، في كل زاوية من الدير تتجلى أرواح الرهبان السبعة.. الإبتسامة، والبساطة، والإصرار على تثبيت معاني السلام، والتعايش لا تزال كما هي، تُطل من صورهم المُثبتة في زوايا وجدران الدير.

للإشادة بدور « سيدة الأطلس »، والرهبان الذي قضوا على يد الإرهاب، قام الفاتيكان نهاية سنة 2018 بالتعاون مع كنيسة « سانتا كروز » بولاية وهران بتوطيب هؤلاء الكهنة تخليدا لحضورهم المضيء في الجزائر، وشارك حفل التطويب الأب « بيير شوماخر » الناجي الوحيد من الحادث المأسوي ربيع 1996، والذي التقى لاحقا البابا فرانسيس خلال زيارته إلى المغرب وأعاد « سيدة الأطلس » إلى الواجهة في محفل عالمي عبر مشهد تقبيل البابا يد الأب التسعيني « شوماخر » واهتمام وسائل الإعلام الدولية بهذه اللفتة الرمزية كونها إعتراف قوي من أكبر سلطة كنسية في العالم بدور الأب « شوماخر » ورفاقه في دير سيدة الأطلس بالمدية في التضحية من أجل خدمة وسعادة الإنسان.