دار عزيزة:
تحفة فاخرة ضائعة

حاج موسى شهيرة

« قصر عزيزة » أو « دار عزيزة » إرث مادي ثقافي يعود بناءه إلى فترة التواجد العثماني بالجزائر  (1797)، حيث قام الداي حسين ببناء قصرين لابنته عزيزة بعد زواجها من باي قسنطينة الأول في القصبة  السفلى بالعاصمة، والثاني ببني تامو بولاية البليدة.

بصمة من بصمات الحقبة العثمانية

دخلنا مدينة الورود باحثين عن مقر قصر عزيزة البليدي الذي سمي بهذا الاسم نسبة إلى المنطقة أين يتواجد ببليدة بني تامو حيث يبعد عن الولاية بحوالي 6 كيلومترات.

الأميرة عزيزة في رسمة فنية

بمجرد وصلونا إلى مكان تواجد هذا القصر، تأخذنا رائحة المكان إلى زمن العهد العثماني، فهذا القصر  يشبه كثيرا ذالك المتواجد بالعاصمة من خلال القالب المعماري الذي شيد به، كالصحن المكشوف والمفتوح على الأروقة، والأبواب المقوسة والنوافذ والأسوار الحجرية العريضة والدعامات الكبيرة التي تحمل البناية، وغيرها من ملحقات العمارة العثمانية مجلس الزوار، الحرملك، الحمام، الحديقة.

شُيّد قصر « لالة عزيزة بداية القرن الثامن عشر بأمر من الحاكم العثماني والداي « حسن باشا » لابنته الوحيدة “عزيزة »، حيث قضت عزيزة فترة طويلة من حياتها في هذا القصر الذي كانت تفضله كثيرا نظرا لموقعه في منطقة معروفة بمناخه الجميل وهوائه النقي والمنظر الطبيعي الخلاب، مما جعل منه منتجع سياحي لعائلة الداي حتى تتمكن ابنته وعائلته من قضاء فترة الصيف في فضاء طبيعي رحب يتوفر على أفضل الخدمات والمناظر التي تسر الناظر وتدخل الغبطة والسرور.

يقول المختصون في التاريخ أنه خلال فترة الاستعمار الفرنسي، تم تحويل هذا القصر إلى سجن مركزي ثم ثكنة للجيش الفرنسي وبعدها مقر لإقامة المظلي الفرنسي لاقارد إلى غاية 1962، ورغم تأثر معالمه خلال تلك الفترة، إلا أنها لم تكن بنفس الدرجة التي أصبح عليها اليوم بعد استغلاله من طرف عائلات للسكن، حيث تآكلت بوابته الرئيسية التي يزيد علوها عن 03 أمتار والمصنوعة من خشب الأرز.

يتميز هذا القصر عن غيرت بنمطه العمراني وهندسته، حيث أغلقت أبوابه المقوسة، للفصل بين العائلات المقيمة داخله، كما شيدت سلالم جديدة بداخله غيرت في مخططه الأصلي وشكله العثماني، إلا أنه صمد بفضل نظام مضاد للزلزال الذي ضرب البليدة عام 1825.

كما أنجز القصر بطريقة هندسية جميلة ترمز إلى بصمات الحقبة العثمانية، وومنحته الأقواس المتواجدة بكثرة في هيكله طابعا عمرانيا مميزا، وتحيط به بساتين البرتقال، وقد تحول إلى جنة فوق الأرض يغمرها الاخضرار من كل الجوانب، وتتوفر في محيطه كل وسائل الراحة التي زادت في جمال المكان وروعته، فهي تشبه قصور ألف ليلة وليلة في بنيانها وزخرفتها المتأنقة وفي أساطيرها، غير أنها مازالت حية تعانق بوجهها العتيق الجزائر والتي تحمل كنوزا تاريخية وقصصا عجيبة، وقصور قديمةً التي تغري زوارها بحكاياتها المشوقة وتفاصيلها المثيرة.

قصة عزيزة والقصر؟

سمي بقصر عزيزة تيمنا بإحدى بنات الداي حسين، وقد أحبت خاصة قصرها بالبليدة الذي يقال أنها بقيت فيه إلى أن ماتت وانتقلت إلى رحمة الله.. فمن هي عزيزة وما هي قصتها؟.. يقول المؤرخون أن هناك روايتان الأولى أن عزيزة هي ابنة الداي حسين بناها لها كي تقطن فيها عندما تزور والدها في العاصمة رفقة زوجها باي قسنطينة، أما الثانية فتؤكد أن عزيزة هي ابنة القايد أحمد بن رمضان وأخت شلبي بن علي بتشين.

في الرواية الأولى يقال أنها تزوجت من باي قسنطينة محمد بن فرحات وبعد وفاته تزوجها شقيقه رجب باي وقد أحب أن هذا الأخير عزيزة وفتنه جمالها الأخاذ فانتقل معها إلى العاصمة واستقرا بالدار التي حملت اسمها فيما بعد وأصبحت المقر الثانوي لبايات قسنطينة عند زيارتهم المحروسة.

بعد تولي رجب باي قيادة مقاطعة الشرق انتقل مع زوجته إلى قسنطينة ثانية وعاش هناك لفترة طويلة، غير أن غيرته الشديدة على زوجته حولت حياتها إلى عذاب فأصبح يراقبها ويشك في أدنى تصرفاتها.. في يوم الأحد 29 جمادى الأول سنة 1079هـ الموافق 4 نوفمبر 1668م أرسل رجب باي زوجته لزيارة معمل البارود الذي بناه في منطقة الحامة بنواحي قسنطينة رفقة جواريها وخدمها ووصيفة زوجته الثانية وابنة أخيه فاطمة بنت فرحات، انتهت هذه الزيارة المفاجئة بعشاء فاخر في حديقة عهد العنصر.. مع بزوغ الفجر خلدت عزيزة وضيفاتها للنوم وبينما كانت تغط في النوم انسل إلى مخدعها الخادم الوفي لرجب باي ليطعنها تسع طعنات تنفيذا لآوامر سيده.. انتهت حياتها بسبب غيرة زوجها عليها غير أنها بقيت في ثنايا التاريخ بفضل دارها العتيقة فوراء كل جدار امرأة.

قصر عزيزة.. من قصر « ملكي » إلى بناية مهترئة

خلال زيارتنا لهذا المعلم التاريخي لاحظنا الحالة المتدهورة جدا لقصر عزيزة بدء من البوابة التي تظهر عليها آثار « الاعتداءات الكبيرة » حيث أفقدتها هيبته وحضوره وسطوته على المكان بحكم ما مر ويمر عليها، تآكلات بعض أجزائه، حيث قام السكان بتغيرات خربت هذا المعلم وأصبح يبدو كبناية جماعية قديمة  أكل عليها الدهر، وبنوا عدة غرف في ساحته، وعدة أسوار أخرى للفصل بين « بيت » عائلة عن أخرى عائلة، مما شوه منظره وطمس جماله، كما تبدو الأسقف و الأسوار الخارجية في حالة مهترئة          تنذر بالسقوط في أي لحظة على رؤوس ساكنيها، ناهيك عن الحالة المزرية لغرفه التي ضاقت بهم بعدما أصبح عددهم يزيد عاما بعد عام.. فإلى متى تظل السلطات الوصية متناسية هذا الموروث الثقافي المادي رغم الأصوات المتعالية والمنادية بأنقاض هذا الإرث؟

ويرى الكثير أنه يوجد الكثير من هذه القصور شيد بالعهد العثماني أو أعيد تأهيله بعد حقبة جزائر مزغنة، وأن عددها قدر يفوق 1500 قصر لكن حكايات هذه القصور لا يوجد لها سند تاريخي يمكن الرجوع إليه لتثيبتها أو التحقق منها.