الشيخ إبراهيم التازي:
الوهراني المتصوف

محمد بن زيان

سيرة الشيخ إبراهيم التازي هي سيرة علاقة مع الإمام الهواري، سيرة أثمرت فعالية صوفية وثقافية وعمرانية فكانت مع الفارق مثل الصلة التي قامت بين المهدي بن تومرت وعبد المؤمن بن علي وأثمرت قيام دولة الموحدين.

التازي وهراني بالمنجز والأثر، التازي امتداد رسالة الإمام الهواري وتحقيق الوظيفة التي جمعت بين الوصل بشهود وبغيب.

أبو إسحاق  إبراهيم بن محمد بن علي اللنتي التازي، أحد الذين حلوا بوهران فأسهموا في صياغة مدونتها وسيرتها، سيرة مدينة نسجت عبر العصور بالتلاقح والتثاقف وتشكلت فضاء يستوعب المختلف ويستمر به.

ولد التازي بمدينة تازة بالمغرب الأقصى في آواخر القرن الثامن الهجري، حفظ القرآن، وبعد تلقي تعليم أولي، بدأ مسار رحلة إلى الحجاز ثم تونس وبعدها تلمسان، وتتلمذ على يد الشيخ محمد بن مرزوق الذي كتب له إجازة عام 832هـ   وواصل الرحلة إلى وهران لزيارة الشيخ محمد الهواري، ولما حدث اللقاء تم التوافق والتفاعل بين الإمامين، وتحقق لكل منهما المبتغى، وجد التازي مقام الحال ووجد الهواري من يتم ويكمل الطريق الذي سار عليه.

عرف التازي بتبحره في علوم الدين، واشتهر بصوته العذب في التلاوة وعن ذلك يقول ابن صعد: « وقدمه مشيخة الحرم الشريف لصلاة الأشفاع في رمضان، واتفقوا على أنه أحسن القراء تلاوة، وأزينهم طلاوة وحلاوة وأمتنهم معرفة وديانة ».

وكان أيضا معروفا بسعة الاطلاع الأدبي والتاريخي، ومع تلك المعرفة، كانت الرحلات التي قام بها رافدا من أهم روافد إنضاج تجربته وتحقيق تحققه الصوفي.

لازم التازي شيخه الهواري، وأقام في زاويته نحو عشرة أعوام، ثم استقر وعاش في وهران نحو أربعة وثلاثين سنة، سخر إقامته لخدمة شيخه، فجمع كلامه وشيّد زاوية ثم تكفل بالسهر على تسييرها والإشراف على طلبتها.

هي صلة روحانية تجلت في اليومي فصاغت حياة مدينة تنبض بأثر الولاية وتعرّف بالولي، صلة أنزلت المجرد إلى المجسد، وحققت مقتضى التصوف السني الذي ارتبطت به مرجعية مغاربية مرتكزة غالبا على ثلاثية لخصها ابن عاشر في قوله: « فقه مالك وعقد الأشعري وطريقة الجنيد السالك ».

وصلته بالإمام الهواري تندرج في سياق مقتضيات الوصل العرفاني الذي يلخصه في قوله:

« زيارة أرباب التقى مرهم يبري

وتحدث في القلب الخلى إرادة

وتنصر مظلوما وترفع خاملا

وتبسط مقبوضا وتضحك باكيا

ومفتاح أبواب الهداية والخير

وتشرح صدرا ضاق من سعة الوزر

وتكسب معدوما وتجبر ذا كسر

وترفد بالبذل الجزيل وبالأجر ».

وهران التي احتضنها جبلها العباد وأقام عند ثغورها مرابطون سهروا على حمايتها وصد العدوان الذي يستهدفها، نضجت بخميرة الإمامين الهواري والتازي.

التازي الذي خرج من بلدته باحثا عن المقام، رحل شرقا وغربا، ووجد الحال في وهران، فالتبس به، وتشكل بوهران كما كان ممن أسهموا في صياغة حالها.

وللحال أسراره وللمكان أحواله فكما وجد أبو مدين في تلمسان مقام الختام، وجد التازي في وهران مقام الابتداء.

التازي عالم في علوم الدين ومتصوف وشاعر ناظم، شعره في التصوف غالبا، وذكر من أرخوا له ذلك ومنه قصيدته المشهورة بالمرادية ومطلعها:

مرادي من المولى وغاية آمالي  

 دوام الرضى  والعفو عن سوء أعمالي

وأصبحت وهران في عصره مقاما للتربية الروحية والذوقية والسلوكية، مقاما استمر وتجلى في المراحل التالية لما انتشرت الرباطات المتصدية للمحتل الإسباني.

كان للتازي دورا محوريا في استكمال مسيرة شيخه الهواري، وتكفل بالتدريس والتوجيه، فعم نفعه وفضله، وكان من طلبته أعلام لهم الأثر في مختلف أنظمة المعرفة.

وجد التازي في وهران مقام الحال ووجد منطلق مدارج السالكين ووجد سبيل تحقيق التحقق.

وجد اكتماله بالصلة مع شيخه الهواري فاتصل النسبي بالمطلق، وكان التواصل الأفقي معرجا نحو الوصل العمودي.

خرج التازي من تازة بحثا عن علم وعن تحقق، شّرق وغرّب ووجد في وهران ما هزه وربطه بها، التقى الشيخ الهواري فوجد فيه الوجد، تلاقت روحان وتحققت الألفة، فتجلى المدد، وصاغ التازي حلقات في مدونة المدينة وهندس روح المكان.

التازي دخل وهران فاتصل بالحال في مدينة يحتضن جبلها المواجه للبحر أثر العارفين، وتــُكتب تخومها البحرية من مرابطين رابطوا حماية للثغور والغزوات، وتتصل بمد أندلسي شكل ثقافتها.

كان التازي يزرع ما يخصب المكان بجينات حصنت المدينة طيلة قرون تالية عرفت الاستيطان الاستعماري الإسباني والفرنسي، وفي كل زقاق بوهران القديمة، تمتد هبة التازي مع مد إيقاعات مغربية حضرت في يوميات وحفلات الوهرانيين.