الروائي المغربي محمد شكري في وهران:
الداخل إليها زربان، والخارج منها هربان

محمد بن زيان

سيرة درب الآلام تتواصل، وسيرة أسرة شكري حملت عصارة البؤس والبأس واليأس.

امتد الدرب من قرية في الريف إلى طنجة فتطوان ثم وهران.. دخل شكري مع عائلته وهران ليلا، والليل مرآة التجلي ولا يمكن للمدن الإفصاح عن روحها إلا ليلا.

من الريف إلى طنجة فتطوان ثم وهران، في الأخيرة لم يكن الحال أحسن: « هنا أيضا في وهران الحياة ليست سهلة لكننا ما دمنا نستطيع الحصول على الخبز والبصل فإن كرامتنا ستظل مصونة ».. كان  الهدف ذلك، قالت له أمه وهم في الطريق إلى طنجة: « اسكت.. سنهاجر إلى طنجة. هناك خبز كثير. لن تبكي على الخبز عندما نبلغ طنجة. الناس هناك يأكلون حتى يشبعوا ».

دخل شكري الطفل مع عائلته ليلا إلى وهران، ومن ساحة الطحاطاحة منطلق النازحين نحو وهران، بحي المدينة الجديدة، الحي الذي اقترن بوصف أم المساكين.. في الطحطاحة مقاهي كانت محطة لقاء مع من ينتقون عمالا موسميين في الحقول المجاورة للمدينة.. كانت حقول كثيرة وكان فيها الكثير من المغاربة.. دخل شكري المدينة ليلا ودخلها طفلا، ولم يستقر طويلا، لهذا لم يتلبس بتفاصيلها، لكنه أضاف جمرته إلى جمرات استمرت متأججة في هوامش وهران.

لم يحس بأنه غادر عالما عاشه، فكل شيء متصل ومتقارب، اللهجة والإيقاعات والطبخ والملامح.. كان البؤس ممتدا في جغرافيا الرحلة، وكان الزمن زمن الوباء والمجاعة، سنين البؤس التي حبكها ديب روائيا وحامينا سينمائيا، وكانت الطرق تشهد العبور بحثا عن عمل وعن قوت، كانت حركة النزوح متبادلة.. مغاربة يقصدون وهران وما جاورها، وجزائريون يقصدون المغرب، خصوصا سكان المناطق الحدودية في أقصى الغرب الجزائري.. وكان التعاضد بين الهامشين.

كانت الجغرافيا مسرحا لتجليات تاريخ الفجيعة، وكان شكري معجون بالمفجع.. في وهران وجد ما يقارب طنجة، وجد النسيج التهجيني ورصد انشطار العالم إلى سطح وقاع، وقدره كان القاع.

دخل شكري وهران طفلا، يعاني الجوع والبؤس، ويعاني عنف الأب.. لم يدخلها سياحة ولم ينغمس في مركزها الذي كان محتكرا من طرف المعمرين، أما الأهالي فلا يختلف حال أغلبهم عن حال أمثال عائلة شكري.. دخلها مشحونا بالنقمة على أب تطرف في القسوة، وناقما على وضع جرده من تملك إمكان العيش السوي فانتقم بانتهاك المعايير التي انتهكت براءة طفولته.

كان الاتجاه نحو مزرعة لأحد المعمرين، فيها وجد الطفل فضاء اللعب وأيضا العمل، واستمرت أيضا  سيرة العصيان وانتهاك الطابو.. هامش نزح نحو هامش، هامش المغرب حل بهامش وهران فكان هو مركز الحكاية، والهامش يتجلى عاريا وقاسيا، تجليا يقول ما قد يحجبه دخول المدن من معابر الذين لا يرون إلا السطح ولا يعيشون إلا في الرفاهية المخملية.

رحلة شكري مع أسرته تتصل برحلات موسمية كانت مألوفة آنذاك ومرتبطة بالمواسم الفلاحية للعمل الموسمي حسب مواقيت الجني والقطف للعنب وغيره.. وهناك من استقروا وانصهروا مع ساكنة وهران وغيرها من المدن.

كان في المزرعة خدم، وكان للخدم أطفالهم، اقترب من بعضهم شكري، منهم هواري الذي يرافق أمه من البلانتور، حي في سفح جبل المرجاجو، كان هواري يحكي لشكري عن سحر وسط المدينة، عن حفلات الفلامينكو في ساحات سيدي الهواري، وكان شكري يتمنى لو تمكن من مرافقة هواري والتسلل إلى عالم محتكر من طرف المعمرين.

وهران النابضة بإيقاع الحياة، وفي هامشها يبدع شكري كتابة مضادة لهذا الإيقاع: « أمسيات وهران، في الصيف، طويلة وجميلة الشيوخ يلعبون (الداما) الشبان يتبارزون ابتهاجا (بالمطرك) النساء يجلسن على عتبات منزلهن يتحدثن، الأطفال يتوزعون هنا وهناك يلعبون ويخترعون أشكالا من التراب والخشب والقصب ».

هامش في الطحطاحة التي كانت افتتاح اللقاء بوهران، في المزرعة التي تتاخم المدينة، لم يكن شكري في وضع يتيح له تجاوز الهامش، تراكم رصيد القاع وتلبس بإرث المسحوقين، لكن وهران كانت مدينة الحياة، كانت مثل طنجة بمينائها الذي يصل بالضفة الأخرى للمتوسط وبتكوينها التهجيني المستوعب للمختلف.

شكري كان طفلا، وكان محروما ومقهورا، لم يمتلك ما يترجم الإحساس بالمكان إلى وعي، لكنه كان يمتلك الوعي القح  البكر، وعي زوربا الذي يواجه بالفطري المصطنع، كانت الرغبة هي التي تصغ التمثل.. لم يتلقح بعد الفطري والغريزي فيه بالتهذيب التثقيفي، لم يكن يعرف بعد الكتابة والقراءة.. الهواري أمه ريفية مثل شكري، كان أيضا مشحونا بالمعصية.. يقال أن هناك سيرة مفقودة تحكي عن هواري شبيه شكري.

في المزرعة عايش الاستعلاء الكولونيالي، وكرر بانتهاكه الاصطدام مع المعيار والعرف.. لم تطل الإقامة  وكان العبور ملخصا بالمثل القائل: « وهران، الداخل إليها زربان، والخارج منها هربان ».

.كانت وهران ملجأ ومقصد محمد شكري هربا إلى خبزه الحافي.