الرسام العالمي إتيان دينيه:
بوسعادة.. الجنة المفقودة

أحمد عبد الكريم

شكلت بوسعادة مرجعية تشكيلية ونصية للكثير من أدباء وفناني الإستشراق غير أنها ارتبطت تاريخيا بنصر الدين دينيه، الذي اعتبرها جنته المفقودة وفردوسه المنشود، وبريشته استطاع أن يفجر سحرها ويخلد اسمها باللون والضوء.

ظل هذا الفنان الفرنسي المسلم محل تجاذب بين نظرتين وتيارين فكريين، يرى الأول بأنه فنان مستشرق، لا يختلف عن غيره، بكل ما يحيل عليه الإستشراق من مآخذ وسلبيات، بينما يعتبره الفريق الثاني فنانا جزائريا، بل « أستاذ الفن الجزائري »، ومصدر إلهام للكثير من الفنانين الذين جاؤوا بعده، وعامل إثراء للفن الجزائري.

ولد « ألفونس إتيان دينيه » بباريس في 28 مارس 1861م لأب محام، وبعد نجاحه في شهادة الباكالوريا، وأدائه للخدمة العسكري، شغف بالرسم وانكب على دراسته ابتداء من عام 1880م بمدرسة الفنون الجميلة وورشة « قالون » مثلما درس في أكاديمية « جوليان » وكان من أساتذته « وليام بوقرو » و »طوني روبير فلوري ».

لم يكن الفنان الباريسي الشاب الذي قدم إلى الجزائر لأول مرة عام 1884، في رحلة علمية إستكشافية مع أصدقاء له، بحثا عن فراشة نادرة، يعلم أنه سيقع في حب الصحراء الجزائرية وشمسها وجمالها، وكرم إنسانها.

وقف منبهرا أمام سحر الصحراء: امتدادها وواحاتها، ولذلك فقد عاود زيارتها ثانية، بعد حصوله على وسام صالون الرسامين لفرنسيين تقديرا للوحتيه: « الأم كلوتيد » و »صخرة صاموا »، وفي هذه المرحلة أنجز لوحته: « المشهورة سطوح الأغواط »، التي اقتنتها الحكومة الفرنسية  لحساب متحف اللوفر، لكنها لم تعرض به، ثم تنقلت بين عديد المتاحف، وهي اليوم من مقتنيات المتحف الوطني للفنون الجميلة بالجزائر، وغيرها من لوحاته التي تشف عن تأثر عميق، وتمثل رائع لروح الصحراء.

توالت رحلاته السنوية إلى الجنوب الجزائري، من بسكرة إلى غرداية والأغواط، وابتداء من 1905 يقرر دينيه بأن مصدر إلهامه لن يكون سوى الجزائر طبيعة وإنسانا، وذلك ما دفعه إلى الاستقرار نهائيا ببوسعادة واحته المفضلة التي لم يكن يغادرها إلا باتجاه باريس لعرض لوحاته في صالون جمعية الفنون الجميلة، وقاعة جمعية الرسامين المستشرقين الفرنسيين.

أقام نهائيا بالبيت العربي الذي اشتراه بحي « الموامين » قريبا من « القصر القديم »، وصار يقضي نصف السنة بمدينة بوسعادة، مشتغلا بالرسم في بيته أو في الورشة التي بناها بوادي بوسعادة، لينتقل في فترة الشتاء إلى باريس لعرض لوحاته.

في بيته الطيني تقاسم الحياة العائلية المشتركة مع صديقة سليمان بن ابراهيم باعامر (1871-1953) وزوجته، وبفضله تعرف على عادات وتقاليد الشعب الجزائري، وكان مرافقه ودليله، إذ ساعده على إنجاز الكثير من أعماله الفنية والفكرية.

بدأت صداقتهما في عام 1889 عندما أنقذ سليمان دينيه حين اعتدى عليه بعض اليهود، وقد توثقت بين الاثنين صداقة متينة، خاصة بعد تعرض سليمان بن إبراهيم لاعتداء انتقامي بسبب دينيه، واستمرت صداقتهما أكثر من أربعين عاما، عـرّفه خلالها سليمان على عادات الأهالي ومعتقداتهم وشاركه جميع كتبه وأسفاره.

بعد وفاة ناصر الدين دينيه بدأ التفكير من طرف مقربيه في إنشاء متحف يخلد ذكراه، ولكن الفكرة لم تستقر وتراوحت بين أن يكون في الجزائر أو في بوسعادة.

بمبادرة من أخته جين رولينس دينيه، تم وضع لوح تذكاري بتاريخ 6 جويلية 1930، بمبنى قصر هيريسي، في الرواق الذي كان دينيه يستخدمه ورشة له، قبل أن يباع قصر عائلته، ويصبح مقرا للبلدية، وقد سعت جمعية أصدقاء دينيه لإنشاء متحف باسمه يكون مقره بالجزائر العاصمة، اختير له بيت بحي القصبة، أشرف عليه « جون ألزار » مدير متحف الفنون الجميلة بالجزائر، لكنه رأى أن البيت صغير ولا يمكن أن يتسع للوحات من الحجم الكبير.

من جهته كان صديقه ووريثه سليمان بن ابراهيم باعامر يرى أن أحسن مكان للمتحف هو بوسعادة، وقد قام بإنشاء متحفه الخاص في بوسعادة عام 1931.

في عام 1969 قررت الحكومة الجزائرية إنشاء متحف نصر الدين دينيه بمدينة بوسعادة، وفي 1986 تم اعتماد ميزانية لإنجاز المشروع، وفي 6 فيفري 1993، صدر المرسوم التنفيذي لإنشاء المتحف بالجريدة الرسمية، ليفتتح رسميا بتاريخ 18 ماي من نفس السنة.

في صائفة 1995، اثناء سنوات العشرية الدموية، تعرض المتحف لعمل تخريبي، أدى إلى إتلاف بعض لوحات معرض الفنان الحروفي عبد العزيز القاسمي، لكن لوحات دينيه الأصلية التي كانت موجودة بصالة العرض الرئيسية لم يطلها الحريق، وتم نقلها إلى المتحف الوطني للفنون الجميلة بالجزائر، ولم تعد إلى المتحف إلا بعد أن استتب الوضع الأمني.

يعتبر المتحف الوطني ناصر الدين دينيه من أهم المعالم السياحية والثقافية بمدينة بوسعادة بالنظر إلى أنه يحيل على هذا الفنان والمفكر الذي اختار بوسعادة مهدا للوحاته الطافحة بالمعاني السامية، كما اختارها مرقدا لروحه التي اعتنقت الدين الإسلامي بحرية واقتناع، وقد ترك وراءه رصيدا من اللوحات الموزعة في متاحف الجزائر، متحف قسنطينة، ومتحف أحمد زبانة بوهران، ومتحف الفنون الجميلة بالجزائر، وأيضا في العديد من متاحف العالم مثل متحف سيدني ومتحف أورساي بفرنسا، وكثير من اللوحات ضمن المقتنيات الخاصة في فرنسا والخليج العربي.

كما ترك أيضا رصيدا من الكتب التي تمثل عصارة تجريته الفنية والفكرية والأدبية، وقعها بالاشتراك مع صديقه سليمان بن ابراهيم باعامر. وأغلبها مزين برسوم له، أو  بتزيينات زخرفية لصديقه محمد راسم الجزائري رائد المنمنات الإسلامية. على غرار كتابه  » حياة محمد » و » الشرق في عين الغرب » و قصائد عنترة  » و »لوحات الحياة العربية » و « خضراء راقصة أولاد نائل » و » آفات التصوير ». وآخر كتبه الحج إلى بيت الله الحرام » الذي صدر بعد وفاته.

يضم المتحف العمومي نصر الدين ديني، بيته الذي أقام فيه بطرازه المعماري العربي القصوري، المبني بمواد محلية، ويضم طابقين عبارة عن رواقيين طويلين، زينت جدرانهما ببعض قطع الزليج ذو الزخرفة الإسلامية، و الأبرز فيه هو البيت الشعري للشاعر صالح بن عبدالقدوس من قصيدته المسماة بالزينبية، وهناك من ينسبه للأمام علي، كتب بخط مغربي:

   فارحل فأرض الله واسعة الفضا    طولا وعرضا شرقها والمغرب

أما مبني المتحف الذي بني في مكان البيت المجاور لبيت ديني بعد شرائه من مالكيه، فيضم طابقين توجد بالطابق العلوي قاعة العرض الدائمة التي تضم عددا من اللوحات الأصلية لنصرالدين ديني. تم اقتناؤها عام  1995 من صالة البيع  » دريو دو رشيليو » Drouot Richelieu  و هي: المرأة المهجورة (1913)، القطعان (1918) زين بها كتاب حياة محمد، رعواشة ( 1901)، المهاري، لوحتي الهلال، الخروج من المدرسة القرآنية، انطلاق قافلة الحج إلى مكة، منبع الواحة (1903)، استراحة المستحمات. و أيضا لوحة رأس رجل عربي، وهي عبارة عن لوحة بالألوان المائية تم اقتناؤها من رواق إسما ISMA. كما تضم القاعة بعض الرسائل والشهادات و الأوسمة والكتابات التي تركها الفنان.

يضم الطابق السفلي المكتبة وبهو المتحف وقاعة العرض التي تضم مجموعة من اللوحات لفنانين جزائريين، تم اقتناؤها في مرحلة تالية، على غرار أمحمد إسياخم ومحمد خدة وسهيلة بلبحار وعائشة حداد وغيرهم..