ضريح سيدي أحمد التيجاني:
رأيت الذي رأى رسول الله 

الخير شوار

دعاء الطريقة التيجانية

مدينة الأغواط ذات صباح.. أشجار الكاليتوس الكثيرة، هدوء تام يجعلك تتمتع بأصوات العصافير التي تبحث عنها بين الأشجار ولا تكاد تراها، وأنت تتأهب للرحلة إلى مدينة عين ماضي التي لا تعرف عنها أي شيء سوى أنها « عاصمة للخلافة التيجانية ».

ولكي تسافر إلى هناك عليك بالعودة قليلا مع طريق الجلفة الذي أتيت منه ثم الانحراف باتجاه مدينة أفلو، وكانت السيارة تسير بسرعة جنونية وأغنية: « صلوا على النبي وأصحابو عشرة » الشهيرة تذهب بك بعيدا، ليس إلى المستقبل وإنما إلى الماضي، ذلك الزمن الذي أخذت مدينة أحمد التيجاني اسمه.

وقبل أن تسافر في الجغرافيا بتلك السرعة في الساعة، فأنت مجبر في تلك الأجواء على السفر في الزمان (نحو الماضي) بسرعة أكبر.

ولكي تستمر في الاتجاه الصحيح إلى عين ماضي عليك بالانحراف عن طريق أفلو – البيض، وتسلك طريقا صغيرا، يمر بك بقرية صغيرة اسمها تاجموت التي تقع على ضفة وادي مزي، ومن بعيد تظهر لك قبة ولي المنطقة سيدي عطا الله، الذي اختار أن يسكن تاجموت إلى الأبد، وقبل أن تصل إلى القبة التي تراها من بعيد في شارع متفرع، لا بد أن تمر ببعض البنايات الحديثة جدا، وهي عبارة عن عمارات من طابقين اجتهد مصمما في أن يعطيها الطابع الصحراوي التقليدي.

وكانت السيارة تشق طريقها مخترقة تاجومت عندما صاح أحد الزملاء الراكبين أنه رأى بين العمارات جمعا يتناولون أكلة (المسمن) بالتاي، ودارت السيارة نصف دورة، لتعيدنا إلى حيث (المسمن).

حكاية معزوزة

كان من بين الجمع الجالس هناك، شيخ كفيف، يقول إنه وُلد كذلك ولم ير شيئا من الدنيا، لكنه يؤكد بأنه يرى من خلال عيونه التي في صدره، وأنه حفظ القرآن وأعاده عشرات المرات وهي الختمة التي تسمى (السلكة) بالمصطلح المحلي القديم.. كان الشيخ يتكلم ثم ينظر بعيدا بعينيه الافتراضيتين، وبعيونه التي في صدره، وكأنه كان يرى مولى المنطقة سيدي عطاء الله، الذي يشترك معه في شيء أساسي، فكلاهما مرتبط بتاجموت، وكلاهما ولد كفيفا.

لهذا السبب تخيلت ذلك الشيخ صاحب المسمن، سيدي عطاء الله بعث من جديد، وكنت أرى في عيني الشيخ الافتراضيتين، معزوزة بنت الداي شعبان الذي حكم الجزار أيام الحكم العثماني، بين 1590 و1593 للميلاد.

كانت معزوزة مكبلة اليدين والرجلين بسلاسل ضخمة مرمية أمام باب القصر، إلى درجة ألا أحد صدق ما رأى والكل يتكلم عن عملية اختطافها من قبل بعض القراصنة الذين سجنوها في جزيرة مالطا، وكان والدها الداي شعبان قد جمع كل الأولياء والعـرّافين لاستعادة ابنته لكنهم فشلوا جميعا، إلا ذلك الولي الذي ولد كفيفا سيدي عطا الله ابن سيدي العابد الذي أراد التخلص من ولده الذي ولد كفيفا برميه في الصحراء، وكلف والدة الكفيف بذلك.

لكنها كانت على موعد مع المعجزة، فقد ذهبت مع القافلة وتأخرت حتى أرضعت ولدها وتركته في الصحراء تحت باقة من الحلفاء وهي تتمزق ألما، ثم لحقت بالقافلة ولما أبرك العبد الجمل وجدت ولدها داخل الهودج وهو الذي كان قبل قليل تحت باقة الحلفاء، وكان الولد الكفيف يمد له يده.

رحلت القافلة وقرر سيدي العابد أن يترك ولده بيده مكان الخيمة قبل تنقلها لكنه عندما التحق بزوجته في القافلة رأى ولده هناك فاتحا عينيه، وهناك أدرك أن العناية الإلهية تحرسه وأسماها عطاء الله أي (هبة الله)، وعطا الله هذا هو الولي الوحيد الذي استطاع أن يعيد معزوزة ابنة الداي شعبان إلى بيت أبيها معززة مكرمة.

لما نجح في مهمته المستحيلة طلب مكافأة من الداي أن يعفى من الضرائب هو وذريته، وعلق الداي فرمانا بهذا الشأن على أعمدة (باب عزون)، الذي كان يسمى (باب الرؤوس) فقد كانت تعلق عليه الرؤوس المقطوعة، وأعفي عطا الله وأحفاده من الضرائب إلى أن أفلت شمس الدولة العثمانية من الجزائر في السنة الثلاثين من القرن التاسع عشر للميلاد، وبعد عمر من الكرامات والخوارق اختار سيدي عطا الله أن ينام في تاجموت بالقرب من عين ماضي الذي سيولد فيها بعد ذلك أحمد التيجاني الذي سيرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقظة لا مناما، ويغير بطريقته (التيجانية) وجه إفريقيا نهائيا.

كان علينا أن نسافر في الجغرافيا بالتوازي مع السفر في التاريخ وننتقل من تاجموت القرن السادس عشر إلى عين ماضي القرن الثامن عشر للميلاد وهناك نحاول اقتفاء أثر أحمد التيجاني.

أطياف أورلي

بين تاجموت وعين ماضي كان الفراغ، السماء صافية ولا بناية في الأفق والأرض جرداء إلا من بعض النباتات البرية التي لا تعرف عنها شيئا، وكانت أمام سيارتنا شاحنة تحمل خلفها بعض الشويهات، وفي الطابق الأعلى طفل يسمع صياح النعاج وينظر إلى الطريق الخلفي، ولما نتجاوز الشاحنة بقليل، وقبل الوصول إلى عين ماضي كان علينا الذهاب إلى قصر كرمان الذي يظهر من بعيد على الجانب الأيمن من الطريق.

تقترب شيئا فشيئا من القصر الذي يوجد وسط بستان يذكرك بالبساتين الموجودة في القصص الخرافية من قبيل ألف ليلة وليلة وغيرها، وقبل دخولك القصر عليك المرور على حاجز الدرك الوطني الموجود هناك.

عند القصر الفارغ تجد الكثير من الأضرحة المقدسة، وهناك تسمع حكاية الخليفة التيجاني الذي أسس قصر كرمان قبل 142 سنة ليسكن فيه مع زوجته (الرومية) أورلي ويدفنا معا هناك، وفي ساحة القصر ترى مقبرة التيجانيين وبجانب ضريح سيدي محمد الطاهر التيجاني، وضريح أورلي وغيرها من الأضرحة القبور والقباب.

في القصر تجد (الكاليش) مازال في المستودع لكنك لن تجد الحصان الذي كان يجره فقد مات منذ سنين طويلة ولم يبق شيء يذكّر به سوى ذلك الكاليش الذي أكله الصدأ ومازال يقاوم الزمان إلى يوم الناس هذا، وتتقدم مع المتقدمين إلى الجانب الآخر من القصر لتجد السلم المؤدي إلى الطابق العلوي وهناك تخشى من أن ينهار الطابق بك لأن السطح آيل للسقوط.. تغامر ولا تجد إلا الجدران التي تقرأ فيها مشاهد لم تعشها لكن تتخيلها وتتخيل الحسناء أورلي سيدة القصر وهي تتجول وسط حاشيتها تأمر وتنهي، وإذا عدت مع السلالم وتجولت في الناحية الأخرى من المستوى الأرضي ودخلت تلك الغرف المهجورة سوف تقرأ العبارات والرسوم المنقوشة على الجدران، بعضها لشاب كان يؤدي الخدمة العسكرية، والأخرى لعاشق متيم أراد أن يخلد اسم حبيبته في قصر الحسناء أورلي التي دخلت التاريخ من خلال زواجها الأسطوري مع الخليفة التيجاني، ومن خلال ارتباط اسمها ومدفنها بهذا القصر الأسطوري الذي تحس بأنه مهرب من أزمنة ألف ليلة وليلة.

ثم لما تتوجه إلى البستان حيث ضريح سيدي محمد الطاهر التيجاني، يأخذك البخور المنبعث من هناك إلى عالم آخر، فتنزع حذاءك وتدخل إلى القبة وتجده مسجى بالعلم الجزائري وبجانبه شخص أسود ربما جاء من دولة إفريقية بعيدة، وطيلة تواجدك هناك لا ترى وجهه فقد كان غارزا رأسها داخل الضريح وثابت كالصنم.. ربما كان مع الولي يسأله قضاء حاجته التي جاءت من مالي أو من السينغال أو من نيجيريا أو من أي دولة إفريقية أخرى، وطيلة وقوفك هناك لا تراه يتحرك فتيأس من رؤية وجهه.. وتتذكر أن عين ماضي الحقيقية أمامك وعليك التقدم نحوها وتغادر قصر كارمان.

في بيت الخلافة

دخلنا عين ماضي من واجهتها العصرية حيث ترى تلك البنايات العصرية وسط أشجار الكاليتوس الموجودة بكثرة، ووسط ساحة كبيرة ترى فرقة موسيقية تقليدية يرتدي أفرادها لباسا موحدا عبارة عن قمصان طويلة بيضاء ناصعة وبـ: شرارب حمراء وسبحات معلقة بنية وكانوا يؤدون بعض الأهازيج لا تحاول أن تفهمها ولا تفهم منها سوى عبارات: « خصك ربي بالشفاعة وأعطالك مفاتيح الجنة »، ولا تدري إن كان المقصود هو سيدي أحمد التيجاني أو رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، الذي جاء في اليقظة لا في المنام، وأعطاه « مفاتيح الطريقة التيجانية ».

كان الوقت يمر بسرعة فائقة ولا تعرف إن كان يمر طبيعيا أو أنك تسافر في الزمان، وكان الناس في الجامع الآخر وسط المدينة العتيقة يؤدون الوظيفة كعادتهم يوم كل جمعة وهي تلاوة للقرآن وبعد الأدعية المشهورة عندهم.

عندما انتهوا من الوظيفة كنا نتقدم إلى المسجد حيث ضريح محمد لحبيب التيجاني إلى جانب أضرحة الكثير من التيجانيين، ثم خرجنا من المسجد سالكين طريق المدينة العتيقة وسط شارع ضيق بعض الشيء كانت أحجاره القديمة المكشوفة شاهدة على زمان لا ندري إن مضى أو بقي مجمدا عند لحظة ما.. كنا نتقدم ونتقدم إلى أن وصلنا بيتا قديما بابه مفتوح وفوقه مكتوب بأن مسقط رأس سيدي أحمد التيجاني.

دخلنا البيت نتجول بين أرجائه.. كانت الغرف خالية إلا واحدة وقد كانت مفروشة بالزرابي، وكان شخص أسمر البشرة يجلس هناك، ولم أسأله عن اسمه وعن صفته ولكني سألته عن مسقط رأس أحمد التيجاني، فأشار بيد إلى المكان بالضبط وكان تحت سدة مطلية بالتراب، وتخيلت امرأة جاءها المخاض عند ذلك المكان، ثم ولد الطفل الذي سوف يهاجر بين الأمصار ثم يأتيه الرسول صلى الله عليه وسلم في اليقظة لا في المنام ليغير بعد ذلك من وجه إفريقيا إلى الأبد مثلما غيّر محمد بن عبد الله – صلى الله عليه وسلم – وجه التاريخ بشكل نهائي.

لما خرجت من ذلك البيت تساءلت في نفسي، لماذا لم أسأل ذلك الرجل الذي كان يجلس هناك، فربما كان أحمد التيجاني نفسه، وسرعان ما عدت إلى البيت ولم أجد التيجاني.. لقد رأيته قبل قليل، رأيت ذلك الشخص الذي رأى رسول الله قيل حوالي قرنين من الزمان.